تنوَّعت أشكال الأنشطة التشكيليَّة بعد الحرب على أكثر من محور؛ بين المعارض والندوات، المحاضرات، وهاشتاقات مثل هاشتاق "حرب الفن" واسع الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعيَّة. بدأ هذا الحراك الواسع للفنون التشكيليَّة بالأنشطة الفكريَّة، والندوات التي تحدَّث فيها فنانون تشكيليون مصحوبة بعروض بروجيكتر لجزءٍ من أعمالهم وتجربتهم؛ مثل محاضرة الفنان عبد الله محمد الطيِّب بمنتدى شروق القضارف في 6 يونيو 2023 عن "الفن والثورة"، أو لم تكن مصحوبة بعروض أو أعمال معارض مثل سلسلة ندوات "من نقد الحداثة إلى نقد الحضارة"، والتي تحدَّث فيها د. محمد عبد الرحمن حسن في ذات المنتدى يوم 7 أغسطس 2023م، وندوات أخرى عديدة، يجيء ذكرها في موضعها المناسب.




حالة الحرب، المحرِّكة لكلّ المناقشات العامة، ظَهَرَت قَشيبة الثوب في هاتين الندوتين؛ إذ عَالجَت الأولى موضوع صعوبات فِلاَحة الفن التشكيلي في البيئة السودانيَّة بشكلٍ عام، ثم علاقتها بثورة ديسمبر، وبعض الأحداث المعادية لفنّ النحت التي ظَهَرت أمام مهمّة إنجاز تماثيل لشهداء الثورة، كما جاء في حديث عبد الله محمد الطيِّب. وعَرَض د. محمد عبد الرحمن حسن سلسلة كتبه النقديَّة الأخيرة الموسومة: "من نقد الحداثة إلى نقد الحضارة". نقاشٌ يبدو بعيد الصلة عمَّا يجري من احتراب مباشر على الأرض، لكنه، في جوهرِه، حديثٌ عن نقد العنف الذي أَفرَزَته آلة الدولة بذريعة الحداثة مرَّة، وبذريعة الحضارة مرَّة أخرى، لكن بقي وجه الخراب المطبوع على حائط التاريخ هو العنف تارةً باسم العلم، وتارةً باسم الدين، وأخرى باسم الحضارة والإنسانيَّة. من عجائب إعادة التاريخ لنفسه في السودان وعموم بلدان الهامش الحضاري في القرن الحادي والعشرين، أن أتت عليهم دورة عنفٍ جديدة تحاول جلب الديمقراطيَّة بقوَّة السلاح!




بعد بداية أنشطة منتدى شروق القضارف، احتشَدَت معظم الأنشطة التشكيليَّة في مدينة بورتسودان بشكلٍ واسع ومتَّصل، قبل أن تعبُر الحدود إلى خارج السودان؛ في كمبالا ونايروبي وأديس أبابا. ففي مدينة بورتسودان الضاجة بالأنشطة الثقافيَّة بشكل عام، ظهرت بعض المبادرات الفنيَّة التشكيليَّة للعرض الجماعي لأعمال الفنانين استضافتها مؤسسات مختلفة، وأسَّس الاتِّحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين فرعاً جديداً له بالمدينة، باشر في التشبيك مع عدد من المبادرات الفنيَّة. ونظَّم الفنان التشكيلي عصام عبد الحفيظ ندوة تشكيليَّة مصحوبة بعرض فيلمي لأعماله يوم 11 يوليو 2023م. ثم تلت هذه الندوة ورشة أساسيات الرسم والتصوير، والمعرض الذي نظَّمه الاتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين واستضافته صالات معرض "خُلاَل غاليري" في 27 يوليو 2032 تحت عنوان "صفحة قاتمة". توالت المعارض والأنشطة التشكيليَّة في المدينة التي لربما حُظيت بأكبر عدد من الفنانين التشكيليين في ذلك الوقت؛ حيث شارك في هذا المعرض كلٌّ من: فيصل تاج السر، الصادق محمود، معتز حداد، محمد أحمد أوهاج، محمد صديق، وممحمد معتصم. جاء في ديباجة إعلان هذا المعرض: "نحن الآن في الصفحة الأكثر قتامة من تاريخ الوطن، صفحة تكتبها الحرب بكلّ الدمار والخراب والحرائق. كمجموعة فنانين متأثرين بالحرب قررنا ألَّا نستسلم للإحباط، فهو، في مثل هذه الظروف، يعني الهزيمة. مع اعترافنا بقتامة الصفحة التي نعيشها الآن، إلا أننا موقنين كذلك أنَّها مجرَّد صفحة سيتم طيّها قريباً لنسجل تواريخ جديدةً ناصعة، صفحات من الحريَّة والأمل والجمال. هذا المعرض هو مساهمتنا في طيّ هذه الصفحة". بعد هذا المعرض الجماعي الكبير، نظَّمن مؤسسة The Muse Multi Gallery ومؤسسة خلال قاليري حواريَّة واسعة بين الفنانين التشكيليين، تناولت موضوعات مُقَارَبَة الفنّ لواقع الحرب، وكيف يمكن للفنان التأمّل في هذه الحالة؟ كيف يمكن إعادة إنتاج الواقع من خلال المقاربة الفنية؟ ما هي الثيمات الأساسية التي يحتويها المعرض؟ خصوصاً أنه معرضٌ جماعي وليس فرديّ؟، وأخيراً، كيف يُفهم الاختلاف في بعض الجزئيات بحيث أن لكلّ فنانٍ ميزة ولمسة حاول وضعها في اللوحات؟.




احتضَنَت صالة خلال غاليري أيضاً يوم 9 سبتمبر 2032م معرضاً جديداً للفنان عمر خليل والفنانة فدوى سيد أحمد بعنوان "نزوح الروح"، جاء حول المشاعر والأفكار التي تصدَّرت ديباجته: "لم يخطر لنا على بال أن ستتغير الأمكنة وتتبدَّل على هذا النحو المُتَسَارع، فبعد عدّة محطات حَلَلنا، كغيرنا من بقية خلق الله، ببورتسودان. ورغم كل التفاصيل الجميلة التي استقبَلَتنا بها عروس البحر، إلا أن نزوحاً آخرَ غير نزوح الجسد كان يُلاَزِم الرحلة، وهو نزوحٌ عكسيٌّ ومضادٌّ لأمكنةٍ وأزمنةٍ وتفاصيل أَلِفناها كتشكيليين لعشرات السنين في سماء الخرطوم؛ فكان ثمة نزوحان متضادان في نفس اللحظة يرفضان التلاقي: نزوح الجسد ونزوح الروح. وكتشكيليين ليس لنا إلا أن نعبِّر بما نملك من أدوات اللون والخط والشكل، فكانت الحصيلة هذه اللوحات التي أُنتِج معظمها ببورتسودان، وجاءت وهي تحمل تفاصيل الفجيعة وتحيلها إلى مقاومة جمالية، تَعتَرف بأن الحلّ ليس بالبندقية وإنما (الحلّ في الفن)". نظَّم خلال قاليري معرضاً تشكيلياً جديداً لمجموعة واسعة من الفنانين التشكيليين بلغت 16 فناناً وفنانة تحت اسم "لون"، استمرَّ ما بين 27 – 30 سبتمبر 2023م، ثمَّ نظَّم من 7 إلى 12 أكتوبر معرضاً فرديَّاً للفنان التشكيلي المغيرة عبد الباقي جاء تحت اسم "ناجون"، تخلَّلَته حواريَّة حول المعرض يوم 10 أكتوبر يسَّرها الفنان مظفَّر رمضان. في حواره مع صحيفة "مواطنون" الإليكترونيَّة، أجاب الفنان فيصل تاج السر عن رسالة معرض لون قائلاً: "الرسالة الأساسية هي الاستمرارية والانتصار لإرادة الحياة. الفرشاة أداتنا الهشّة لتحقيق ذلك، قابلة للكسر في أي لحظة، ولكنها قبل أن تنكسر تكون قد فتحت مساراً للمستقبل. هذا ما أردنا قوله. كنا نرسم قبل الحرب بالطبع، لكنّا أحسسنا أنَّه آن الأوان ليقيم الفن صِلَةً مباشرة ومستمرّة مع الجمهور؛ إنه نوعٌ من أنواع المقاومة والانتصار لإرادة الحياة". يقول المغيرة عبد الباقي عن معرض ناجون: "الحياة أعظم نعمة وُهِبَت للبشر، لكن الإنسان يفسدها بالطمع والجشع والظلم. بعد تلك المشاهد التي رأيتها هناك، وكل ما أراه الآن في ظلّ الحرب، أستطيع أن أقول إنَّه لم يَنجُ منها في تقديري حتى من ظنَّ أنّه نجا! نحن "الناجون" نعيش تحت ضغط الحرب النفسيّ، الكثيرون أُصيبوا بالجنون، منهم من انتحر، كثيرون يعانُون جشع الناس واستغلالهم. هناك انعدامٌ للإنسانية، هذه هي صدمتي التي أعيشها وتلازمني. تلازمني الأسئلة التي لا تجد إجابات، هل نجاتنا هي نجاة بنفس المعنى؟ أتساءل عن السلام، التعايش السلمي، كيف ستكون الحياة بعد حجم العنف هذا؟ أتناول بالرسم التعبيري من خلال الخطوط، اللون والتكوينات البسيطة جانباً من مشاهد أشكال النجاة التي لن يَسلَم منها أحد". في تناظرٍ مثاليّ بين الأنشطة المختلفة للعمل التشكيلي، من ورش ومعارض عديدة وندوات، واصلت مؤسسة The Muse Multi Gallery سلسلة حلقاتها النقاشيَّة وقاربت موضوعات عدَّة. في 5 أكتوبر 2023 جاءت الحلقة النقاشيَّة الأولى بعنوان: "الاتجاهات التشكيليَّة في مدينة بورتسودان"، وهي مقاربة لتجربة فنانَين تشكيليَّين هما مصطفى حسين سالم وأبو الحسن مدني، قدَّمها الفنان فيصل تاج السر، ويسَّر النقاش الأستاذ حسان الناصر. وكانت قد سَبَقت هذه الحلقة النقاشيَّة ندوة بعنوان "مشهديَّة الفنون البصريَّة في السودان"، قدَّمها الفنان مظفَّر رمضان.




بين بورتسودان والقضارف انحصرت رقعة امتداد الفن التشكيلي في المدن السودانيَّة بعد الحرب، لكن عبر هذه البوابة، البوابة الشرقيَّة، خرج عشرات الفنانين التشكيليين إلى أديس أبابا أو نيروبي، يثابرون في إقامة المعارض الفرديَّة والجماعيَّة بالتشبيك مع المنظمات الثقافيَّة المحليَّة حيث حَلّوا، يجمعون شتات السودانيين في مَنزَح إقامتهم الجديد بين هذه البلدان. في 16 أغسطس 2023م بأديس أبابا، وباستضافة كريمة من "فينديكا" -مركز ثقافي إثيوبي-، نظَّم الفنان التشكيلي والنحَّات د. عبد الرحمن شنقل معرضاً تشكيلياً جاء تحت عنوان "دموع سوداء"، وهو مجموعة أعمال جديدة انكبَّ على رسمها فور وصوله إلى أديس أبابا بعد اندلاع الحرب كما قال. اللوحات مُستَغرِقَة في تجسيد حالة الحرب واستعارة رموزها في العنوان، هنالك لوحة للحرب ولوحة للجنرال وصُور وألوان متفرِّقة لحريق الخرطوم. والأجواء التي أحاطت به كانت احتفاليَّة سودانويَّة صرفة؛ جمعت شتات الفنانين والمثقفين السودانيين والموسيقيين لأيامٍ وليالٍ طويلة، اختُتِمت بحفل غنائي شاركت فيه نخبة من شباب الفنانين والموسيقيين السودانيين جاء التقرير على ذكرهم في الجزء المتعلِّق بالغناء والموسيقى. أمَّا في نيروبي، فقد نظَّم الفنانان عصام عبد الحفيظ وخالد حامد، فور وصولهما من أثيوبيا، معرضاً ثنائياً شَمِلَ عرض أعمالهما ليوم واحد كمبادرة لدعم الفنانين السودانيين. لكن الحدث اللافت الذي شهدته نيروبي كان هو المعرض التشكيلي الكبير الذي ضمَّ أعمال ثمانيَّة فنانين تشكيليين سودانيين بصالة المعرض الثقافي الفرنسي في نيروبي يوم 20 سبتمبر 2023. جاء هذا المعرض تحت عنوان Resilient Transition ساهم في تنظيمه محمد الحسن موي مؤسس 249 Art and culture، مع مؤسس الداون تاون غاليري بالخرطوم عبد الرحيم شداد، الذي قال في تقرير مصوَّر عن المعرض لموقع voanews، إن المعرض جاء لجمع شتات الفنانين السودانيين في كينيا، وبداية إنتاج أعمال جديدة بعد التي خسرها معظم المشاركين في المعرض أثناء حرب الخرطوم. شارك في المعرض كل من: خالد حامد، أبو بكر معاذ، تبيان بخاري، ياسر القرَّاي، جلال يوسف، الطيِّب ضو البيت، ياسر علي، راشد دياب، حسين حلفاوي، مسكة محمد، عصام عبد الحفيظ ومحمد علم الدين. من عاصمة الضباب باريس، ومع بداية دخول الحرب شهرها السادس، يوم 14 أكتوبر 2023م، ومن غاليري "مايا موللر"؛ افتتح الفنان التشكيلي حسن موسى معرضه الموسوم People VS People: how many Karadashians?، وهو السؤال الذي يطرحه الفنان منتقداً ظاهرة سيطرة من يسمّون بـ"نجوم الميديا والمجتمع"، أمثال جوني ديب وزوجته السابقة أمبر هيرد، جورج كلوني، كارادشيان ...إلخ"، يقول حسن موسى متسائلاً: "إلى متى ستُحتَلّ الخشبة بصور هؤلاء بينما ليست هنالك غرفة أخبار واحدة تبقَّت لأخبارٍ حول الناس في السودان، غزَّة، إكوادور، اليمن، تشيلي، إثيوبيا، ميانمار، فينزويلا، أو سيريلانكا!". يتساءل الفنان ساخراً من إعلام العالم اليوم: "كم كيم كارداشيان نحتاج لجلب السلام إلى العالم؟".