جذورها وأسبابها

جذورها وأسبابها
سكَّة: مأمون الجاك
عند قصي همرور لن تكون هذه الحرب سبباً في انهيار الدولة، فالحرب نفسها نتيجة لانهيار الدولة وتفككها فـ:"السودان ليس مُهدَّداً بمرحلة تفكك الدولة، إلا ربما مجازاً أو إمعاناً، لأنه فعليَّاً وصل تلك المرحلة مسبقاً، والتحدي القائم الآن هو كيفية إعادة بناء الدولة وليس الحفاظ على الحد الأدنى منها؛ فنحن أصبحنا دون ذلك الحد الأدنى منذ فترة... ما يجعلنا نواجه الواقع بأن نقول إننا في مرحلة ما تحت الصفر من حيث مقاييس الدولة الكفؤة. ومن مشاكل إعادة بناء الدولة هو أن هنالك، ما تزال، بقايا مظاهر دولة، تجعل البعض يظن أن هنالك دولة، ومن ثم يتحدث عن "إصلاح" تلك المؤسسة أو تلك القوانين، من أجل إنقاذ الدولة، بينما الواقع يقول إننا تجاوزنا فرصة "الإصلاح" تلك، وحالياً علينا التفكير في المراجعات الشاملة، في إعادة الهيكلة، في إعادة التعريف، وذلك يختلف عن مجرد الإصلاح، أو بعض التغييرات على مستويات الشكليات والمناصب القيادية والقواعد الإدارية". لذلك "فإن ما يُسمَّى بقوات الدعم السريع، أو مليشيا الدعم السريع، ليست تهددنا بأن تكون سبباً في تفكك الدولة، إنما هي في الواقع نتيجة لتفكك الدولة، ومؤشر من مؤشرات فشل وغباء السلطات المتعاقبة على السودان، وشتان بين السبب والنتيجة... ومن البراهين الواضحة على أن وجود الدعم السريع إنما هو نتيجة لتفكك الدولة السودانية وفشل سلطاتها، ومن المفارقات المحزنة في واقع الدولة- اللادولة السودانية، أن هذه القوات أو المليشيا، رغم وجودها المؤذي وغير المنطقي في الحاضر السوداني، إلا أنها ذات وجود قانوني وتُعتَبر قانونياً من مؤسسات الدولة ذات الاختصاص. الوصف الأقرب للدقة، بخصوص الدعم السريع، وفق تاريخه ونشأته، هو أنه (Paramilitary group) أو مجموعة موازية للجيش. وهو مجموعة موازية بصورة قانونية، ذلك لأنه تم إنشاؤه بواسطة سلطة دولة وتم تقنينه بموجب قانون دولة (أي قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017)، وتلقى في البداية تدريباً مباشراً من الجيش، ودعماً مباشراً من سلطة الدولة، وضوءاً أخضر ليحارب نيابة عن الجيش –أو بالأصح كوحدة من وحداته ذات استقلالية– في مواقع مختارة، وجُعِلت موارد تحت إمرة قيادته بموافقة الدولة (أي بموافقة سلطة الدولة) وعدم ممانعة لكي يمارس تعاقدات مع جهات خارجية".
ويرجع د. عبد الله علي إبراهيم جزءاً من جذور هذه الحرب وأسبابها إلى سبعينيات القرن الماضي لما ضربت إقليم الساحل الإفريقي: "موجات من الجفاف والتصحر جعلته غير صالح لسكن البشر مما رمى أهله في محنة وجودية". مضيفاً أن العوامل الطبيعية ليست وحدها كافية لتفسير ما حدث فـ"حياة رعاة الساحل تضعضعت حتى قبل كوارث الجفاف والتصحر، فسياسات الدول التي هم بعض رعاياها أجحفت بتغولها على حقوقهم في أرضهم، وسد سبلهم إلى مواردها، فلاحقتهم الدولة باسم الحداثة بسياسات الاستقرار من علٍ لأن الترحّل عاهة خالفة. واستباحت مساراتهم التقليدية للمستثمرين الموسرين ذوي المداخل للتمويل من مصارف الدولة. وحظي هذا البديل لاستثمار أرض البوادي بتشجيع من سياسات للبنك الدولي زكَّت للحكومات أن تُحسن الاستفادة من أرضها بمثل الزراعة الآلية لا أن تتركها لرعاة بدائيين يجوبون فضاءها بلا طائل. بين الحداثة والحياة المترحلة ما صنعه الحداد. فما أزرت الطبيعة بالبادية الإفريقية مثل إزراء مفهوم الحداثة بهم، فقد أراد أن يبدّلهم حياة غير حياتهم. وبالنتيجة كان سبيل حياتهم في العيش بالترحل من أعاقهم في الصراع حول الموارد المتناقصة في المرعى والماء. وحالت حياتهم المترحلة دون نيل حظهم من التعليم الذي جرى تصميمه لحياة المستقرين لا جوابي الآفاق. فباعدت حياة الترحل، وما ترتب عليها من انقطاعهم عن التعليم الحديث، بينهم وبين أن يكون لهم صوت في سياسات الدولة بأي قدر، فتخلَّقت بالنتيجة وبمرّ الزمن بيئة اجتماعية، لا غرابة أن أفرخت لا مجرد جدب في حياة أهلها، بل طَبَعتهم على الإرادة في تغيير ما بهم".
ويسرد د. أبو بكر عمر البشرى أحمد -وزير وزارة الزراعة والغابات في الحكومة الانتقالية الثانية بعد اتفاق جوبا للسلام- في مقال له، جزءا من مظالم الرعاة الرحل، مشيرا لـ "الغياب التاريخي لمجتمعات الرحل عن استراتيجيات الدولة السودانية التنموية بالرغم من مشاركتهم الاقتصادية الكبيرة".
وعند عبد الله علي إبراهيم فإن ما يحدث في الخرطوم يمكن فهمه بدقة بقراءته في سياق ما حدث ويحدث في الجنينة فإن "مما يُخشَى منه أن الفهم الذي ساد أن الوقائع الدامية على (المساليت) في الجنينة بدارفور هي مجرَّد أثر من حرب الخرطوم قد يسوقنا لا لفهم ما يجري في الجنينة، ولا في الخرطوم في آنٍ واحد؛ بل إن ما يجري في الخرطوم هو أثر مما ظل يجري في الجنينة منذ تسعينيات القرن الماضي. فهو استنساخ مروع من "نجتيف" الجنينة إذا استعنا بلغة التصوير... فليس ما طرأ على الخرطوم من نهب للمال واحتلال للعقار واغتصاب وترويع غير استنساخ للروتين الجنجويدي الاستيطاني الذي شقي به شعب "المساليت" لثلاثة عقود". ثم يشرع في سرد تاريخي لطبيعة الصراع في الجنينة فيقول إن "الأصل في أزمة المساليت ومحنتهم الراهنة هو اختلال المعادلة التقليدية بين رعاة دارفور، الذين صدف أنهم عرب بالغالبية، ومزارعيها ممن صدف أنهم أفارقة، أو "زرقة" بالمصطلح المحلي. وتسمي عبارة محلية الرعاة بـ"القرون"، أي رعاة الأنعام، بينما تطلق على المزارعين لقب "الجرون" وهي مطامير خزن العيوش بعد حصادها. ونتج هذا الاختلال عن الجفاف والتصحر الذي ضرب الساحل الإفريقي بما في ذلك شمال دارفور منذ أوائل السبعينيات. بدأ الجفاف مروعاً في 1972-1973 وبلغ الزبى في 1984-1985 و1991 ثم سنة بعد سنة منذ 2001. وتجسَّد في تغير ديموغرافي اضطر به الرعاة من سودانيين وغير سودانيين من تشاد وليبيا إلى الإقامة بين المزارعين فوق ما تواضعوا عليه تقليدياً.
كان الرعاة يبقون في مناطقهم بالشمال سبعة أشهر لطول الخريف ثم يقضون أشهر الصيف بين المزارعين في دورة تبادل منافع معروفة، ولكن حمل انقطاع المطر في البوادي الرعاة إلى تطويل إقامتهم بين المزارعين فوق المعتاد.
هنا نشبت النزاعات بين "القرون" و"الجرون" حول حظوظ كلٍّ من الماء والكلأ جراء ذلك. وترافقت مع هذا الاختلال تطورات ثقافية وديموغرافية نوعية. فأفاق العرب البادية في محنتهم هذه إلى فوتهم حقوقهم السياسية في إقليم دارفور، الذي كانت صفوة المزارعين الأفارقة قد أمسكت بزمام قيادته، لانشغالهم عنها بالترحال، فكونوا تنظيماً باسم التجمع العربي لأول مرة في أوائل الثمانينيات، وتم ذلك في سياق مشروع الساحل الإفريقي العربي الإسلامي الذي تبناه العقيد معمر القذافي في السبعينيات. ومن جهة أخرى كانت دارفور، وهي في مخاض ذلك التغيير الديموغرافي المنذر بالخطر، قد زادت عدداً في السكان".
وهذه النزاعات المستمرة كان ثمة وسائل لتخفيف آثارها وحلحلة بعضها عرفياً لكنها بطلت لسببين: "الأول هو أن "القرون" لم تعد عابرة لدار "الجرون" إلى مستقرٍّ لها في أوطانها المعروفة، لأن التصحر أخلى يدها منها، فلم يعد النزاع بينهما حول اعتداء سعية راحل على مزارع كما كان الأمر قبلاً، بل تحول إلى نزاع حول الموارد في أرض المزارعين والاستيطان فيها. والسبب الثاني هو مجيء حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير بمشروع مركزي سياسي عروبي إسلامي رأت به في النزاع حول الموارد سانحة تستنزفها لصالح مشروعها، لا نزاع موارد تتوسَّل إليه بالسياسات في مثل التنمية والقسط. وابتدعت الإنقاذ في هذا السبيل سياسات خرقت أعرافاً تاريخية تعلقت بـ"الحاكورة" استقرت وقننت لها الدولة الإنجليزية الاستعمارية (1898-1956) وحكومات الاستقلال، إلا حين أرادت مكافأة جماعة ما على خدمة ممتازة أدتها لها".
ويسرد أليكس دي وال تاريخ النزاع في دارفور معدداً أسبابه: "كانت لأعمال العنف التي بدأت في دارفور عام 2003 ثلاثة أسباب. الأول هو جغرافية دارفور، فهي منطقة شاسعة وفقيرة، سُمّيت على اسم السلطنة التاريخية لشعب الفور، الذين يشكلون ربع السكان. هناك أيضاً عشرات الجماعات الأخرى من السكان الأصليين، تعتبر دارفور موطناً لها، وأكبرها جماعتا المساليت والزغاوة. وتضم دارفور قبائل عربية أيضاً، تتكون أساساً من الرعاة الذين يربّون الماشية في الشمال الأكثر جفافاً والسافانا في الجنوب، وقد هاجر أسلافهم إلى المنطقة منذ قرون. وتُشكِّل هذه الجماعات مجتمعة 40 في المئة من السكان. مع إهمال الحكومات السودانية المتعاقبة للمنطقة وتعرضها للجفاف، بدأ النسيج الاجتماعي في دارفور يتمزق في ثمانينيات القرن الماضي. نما عدد السكان بسرعة، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع معدل الولادات، ولكن أيضاً بسبب هجرة البدو العرب الصحراويين إلى دارفور بحثاً عن الأراضي. وبدأ التعايش الهش بين المزارعين والرعاة في الانهيار. وأدت الصراعات العرقية إلى تحريض قبائل الفور والمساليت والزغاوة ضد القبائل العربية. وتصاعد العنف، وبلغ ذروته في صراع 2003-2005، الذي أودى بحياة أكثر من 300 ألف شخص. وبحلول عام 2009، هدأت حدة الصراع بيد أن السلام كان بعيد المنال".