غِلمانُ شؤمها

غِلمانُ شؤمها
سكَّة: مأمون الجاك
أنتجت هذه الحرب غِلمانَ شؤمها ماثلين في (مصطلحاتها الترميزية الخاصة)، ويقرأ الروائي والقاص منصور الصويم، في مقالٍ له، واحداً منها وهو (دولة 56)، يقرأه، لا كما يفعل مناصرو الطرفين، بردّ حجج الآخر ودحضها في سبيل إثبات حججهم، وإنما بالإشارة لحادثتين هما: مقتل الفنانة شادن، وموت فوزي المرضي، وكلاهما من الرموز الثقافية -الفنية والرياضية- لمدينة أم درمان، أو لغرب السودان وجنوبه، وبلا شك للسودان ككل، وهو ما تحقّقه هذه القراءة بتحطيمها لاحتكار الرمز المُدَّعى. يموضع الصويم هذين الحادثين في سياقٍ رمزيّ، للانتماء الرمزي المُفتَرَض لكلٍّ منهما إلى خطاب كلا طرفي الحرب، فـ"إن كنت في زاوية (قتل دولة 56) فحربك قتلت رمزاً من رموز هذه الدولة، في صورةٍ ما من صورها التاريخية والثقافية الاجتماعية، وإن كنتَ في المنصة ذاتها (دولة 56) فحربك قد اغتالت أحد رموزك التاريخيين، أيضاً؛ لكن إلى أي منصة ينتمي فعلياً -الرمز- فوزي الأسد؟" يضيف الصويم: "فوزي المرضي الأسد، بلا أدنى شك ينتمي إلى السودان القديم، سودان 56 ويعكس إحدى صوره المؤشرة عليه وإن كان ذلك على المستوي الشكلي أو الإجرائي. فالرجل ابن النخبة الشمالية، وابن المدينة التاريخية –الرمزية لهذه النخبة، والرجل ظل حاضراً على مدار خمسين عاماً في الإعلام والميادين والإدارة سواء في البنوك أو الأندية الرياضية، وبصورة أدق وأكثر تلخيصاً فالرجل كان وجهاً ما من أوجه السلطة لدولة 56. لكن هل بالإمكان القول إن ما مثَّله أو ما قدَّمه فوزي الأسد كان سلبياً أو متغولاً على حقوق الآخرين في الجانب الآخر من المعادلة؟ كشخص، ورمز رياضي كبير بالطبع لا. بل يمكننا القول إنه –وآخرين– يمثل وجهاً حسناً وجميلاً لهذه الدولة التي تحتضر الآن، بغض النظر عن كونه تمظهر –غير متعمد– للنهوض والصعود الذي ظل ملازماً لنشوء هذه الدولة...
على الجانب الآخر تسطع صورة شادن الجميلة، بصوتها الشجيّ، وثقافتها الرفيعة ومشروعها الفني الكبير. شادن القادمة من هوامش السودان، المعتزَّة بثقافتها وبيئتها، والمتفردة في أسلوبها الغنائي، المختلف تماماً عن الشكل الغنائي المكرَّس في القنوات الإعلامية الرسمية لدولة 56 منذ استقلال البلاد وإلى اللحظة التي فارقت فيها روحها جسدها الطاهرة، في حربٍ تنادي في أحد أوجهها بما ظلت تكافح هي لأجله طوال سنين عمرها الفني القصير، بغض النظر عن حقيقة دوافع حملة الشعارات المتطابقة مع رؤاها، وإن كانوا صادقين في دعواهم أما أن تدافعات السلطة العنيفة هي التي دفعتهم إلى ركوب هذا السنام العالي".
وفي عدة مقالات له، يدحض د.عبد الله علي إبراهيم، السردية المتبناة من قبل قوات الدعم السريع لشرعنة حربها الحالية، فيقول: "قد تسمع من بعض فصحاء "الدعم السريع" أنهم خرجوا في هذه الحرب لوضع نهاية لـ"سودان 1956″. ويريدون بذلك الدولة الوارثة للحكم بعد استقلال السودان في ذلك العام. وهي الدولة المتهمة عند قوى الهامش بأنها ظلت حِكراً للجماعة العربية المسلمة على النيل الأوسط منفردة بالسلطة والثروة. وصح السؤال: هل من في الهامش براء من دولة 1956م بالمرة وخرجوا منها خروج الشعرة من العجين كما نقول في السودان؟ ألم يكن لهم ثمة أداور في حكوماتها وسياساتها؟ ألم يكن من دور لهم فيها سوى دور الضحية؟ وبعبارة أخرى: هل كانوا بلا وكالة (agency) في سنواتها التي تطاولت لثلثي قرن؟ وتعني "الوكالة" هذه في مصطلحها الإنجليزي أن يكون المظلوم شريكاً فيما وقع عليه من ظلم بصورة أو أخرى". فالتاريخ يدحض مصداقية هذا الخطاب بالرجوع إلى حوادث وفترات من الحكم كان للهامش المزعوم فيها نصيب من السلطة والثروة، فـ"الهامش لم يكن مغلول المساهمة في دولة 1956. فدخلت قوى منه في تعاقدات مع مركزها في الخرطوم وأحلاف راضية مرضية. فكان لهوامش السودان الثقل الاقتراعي دون منطقة النيل الأوسط في انتخابات الفترات الديمقراطية الثلاث التي دامت لـ10 سنوات متقطعة. وبذلت فيها أصواتها للأحزاب التقليدية الدينية التي انتموا لها. وهي الأحزاب نفسها التي انعقد لها لواء الحكم في دولة 56 كلما قامت على البرلمانية". ويعزو عبد الله علي إبراهيم هذا الخطاب وعواره إلى اختطاف آيديولوجي انتقائي للتاريخ، فالواقع السياسي والاجتماعي للسودان أشدّ تعقيداً وثراءً وإشكالاً من هذا الخطاب، ويحاجج في مقالاته هذا الخطاب بأخذ أمثلة بعينها من مرجعياته التاريخية: كالنظر إلى ثورة اللواء الأبيض 1924م ضد الحكم الاستعماري الإنجليزي وتجييرها لمصلحة هذا الخطاب، في إسقاط بَيِّن لحيثيات عديدة عن منشأها وطبيعتها. فهذه السردية التاريخية المُقَسِّمة لجغرافيا السودان السياسية إلى: مركز وهامش، وهي سردية قامت عليها أغلب حركات النضال المسلح في أطراف السودان، إلى جانب أنها سردية وخطاب غير محيط بكافة تفاصيل الواقع السياسي والتاريخي لهذه الرقعة الجغرافية، فإن تبني قوات الدعم السريع لها لا يعدو أن يكون مفارقة ساخرة لا غير، فهي "لم تنشأ لتُنَازِل المركز الذي كان على سدته "حكومة الإنقاذ" فحسب، بل كان المركز هو من أنشأها لخدمته".