حرب الخرطوم وظاهرة "الغناء المَهدُور"

حرب الخرطوم وظاهرة "الغناء المَهدُور"
للموت أم الحياة؟!
سكَّة: د.راشد مصطفى بخيت
حرب الخرطوم وتحوُّل نظام القيم:
من غرائب حرب الخرطوم الموسومة بالعبثيَّة، بخاتم سدنتها وصكِّهِم، وبعد أن أوغلت في حصاد أرواح آلاف السودانيين الأبرياء وهجَّرت الملايين منهم داخل وخارج الحدود في شتاتٍ غير مسبوق في تاريخ البلاد؛ أنَّها لم تجد شرعيَّة تُبَرِّر بها اندلاعها وتتخذها كذريعة للاستقطاب الجمعي، من أجل بقاء الدولة، غير شرعيَّة "القيمة الوطنيَّة".
إذ مع انتهاء كفاءة وفعالية القوَّة العسكريَّة في حسم هذه الحرب اللعينة وتطاول أمدها، ظهرت إلى السطح أسئلة القيمة الرمزيَّة بدلاً عن أسئلة القوَّة العسكريَّة، الشرعيَّة الوحيدة التي يعرفها المتصارعان، ولا يعرفان غيرها، لم تعُد وحدها كافية في مضمار سباق كسب هذه الحرب، وقبل ذلك هي غير مواتية للطرفين حتى الآن بعد مضيّ ستة أشهر، ولا شيء جديد يلوح في الأفق.
معلوم أن استهلاك الشرعيَّات يُفقدها القيمة الرمزية من حيث فقدانها للمصداقيَّة أوان التحقُّق، الشرعية الدينيَّة مثلاً تمَّ مضغها بالكامل في العقود الماضية القريبة، وفقدت كفاءتها التأثيرية التي كانت مع حرب الجنوب مثلاً، بعد السقوط الداوي ليوتوبيا الدولة الإسلامية بعد دخولها السوق ومفارقتها لحقل القيم المنادية بها وخيانتها للمثال. الشرعيَّة الآيدلوجيَّة لم تعد هي الأخرى موثوقة، هانت على الشعب من فرط لا أخلاقيتها وتقلُّبها بين المتناقضات، الشرعيَّة الدستوريَّة مغيَّبة، نحَر عنقها برلمان إنقاذي قنَّن الجريمة ومنحها صكاً دستوريَّاً وجبال ذهب وأوسمة كرامة وخُطَب رنانة ملطَّخة بدماء الأبرياء، شرعيَّة السيادة مُفتَقَدَة لأنه لا سيادة إلَّا للشعب، الذي لم يشاوره الطرفان في الحرب.
الشرعيَّة الوحيدة التي حافظت على وجودها في معركة بقاء الدَّولة وتعاظمت أهميَّتها تدريجياً أثناء هذه الحرب هي شرعيَّة رمزيَّة القيمة في الأصل، بُنيت بكدح وإبداع وتضحية أجيال من خيرة أبناء وبنات السودان وأسموها الوطنيَّة. ليست نيشاناً يُوضَع على الصدر، ولا دبابير تلمع في كتف الجنرال، ولا شهادة أستاذيَّة من جامعة عريقة؛ بل هي قيمة رمزيَّة أعلى تشمل كل ما سبق وتتعداه، لأنَّها في الأصل أغنية!
تَذَكَّرَت آلة العنف، التي لا تعترف بغير قيمة القوَّة كـ"قيمة عليا"، فجأةً، أنَّ هنالك نشيدٌ اسمه الوطن، سُقي بالدَّم والدموع منذ الثورة المهديَّة، ورعاه الآباء المؤسسون في مُقل العيون، وزادوا عنه بأغلى ما ملكوا، ثم نفخوا فيه من فرادتهم شعراً وأغنيات وألحاناً عذبة تَطرَب لسماعها النفوس. وعلى حين غرَّة من الحرب الناشبة هنا والآن، تساوت فجأة، بطريقة غريبة، قيمة الرصاصة مع قيمة الأغنية ضمن منطق المفهوم الشعري للوطنيَّة؛ تلك التي تلمع في ظلام الأيام الراهنة وتضيء وحشة الغربة وأيام الفقد والنزوح جرَّاء الشتات الكبير؛ فتتجلى تارة في صوت أغنية مؤسِّسة صدَح بها خليل أفندي فرح مسائلاً "فلق الصباح"، أو لحنٍ شجيٍّ حاول عزفه العقيد أحمد مرجان وهو يضع لمسة الهويَّة الوطنيَّة بالموسيقى، أو كلمةٍ خطَّها يراع الصاغ أبوبكر أن "صَه يا كنار"! فهل هي قيم منتمية للموت أم للحياة، ولمشروعٍ كبير اسمه الوطن والوطنيَّة؟.
جورج برنارد شو قال ساخراً إنَّ "الوطنيَّة هي شعورك أنَّ بلادك أفضل بلاد الأرض فقط لأنَّك وُلدت بها"! نعم هي هذا الشيء المُتَنَاقَش بالطبع، لا شيء غيره.
2. أغنيات للموت وأخرى للحياة:
مبادرة "يلا نغني للسودان" - النادي الاجتماعي السوداني بدبي
كفَّت الحياة السودانيَّة بعد الحرب عن حالة الطرب والغناء لأكثر من شهرٍ ونيف، إذ ساد الوجوم واستشرت أصوات قعقعة السلاح ودخل الرصاص من نوافذ الغرف الآمنة، وأصابت المدفعيَّة الثقيلة البيوت والمباني، وكان الصوت الأكثر قرباً للأذن هو صوت الطائرات المقاتلة تصمُّ الأذنين! توقفت الحياة فجأة، ونسي الناس أصوات الموسيقى، ابتلعهم صخب الحرب ولم يكن أمامهم من سبيلٍ سوى الفرار متى ما كان الأمر متاحاً.
تغيُّر الأسماع في سماء المدينة الملبَّدة بالدخان هو تغيُّرٌ معادٍ للحياة من حيث معاداته لطبيعة الأشياء، الخوف والقلق الذي تصنعه أصوات الطائرات الحربيَّة، القنابل والرصاص، مزعج وباعث على الترويع وتزايد ضربات القلب وعلوّ الأنفاس. في المقابل؛ وبجانب الشعور بحالة الشتات الوجودي وفساد ذوق المدينة في الاستماع بسبب الحرب، بدأ الشعور بوحدة الهويَّة مطلباً وجودياً هو الآخر، وعادت الأغنية نسبيَّاً إلى الظهور والمشاركة في الاستجابة لهذه الحرب بطُرُق وأساليب مختلفة؛ بعضها قديم ومعروف باسم "عدَّة الفضيَّة" التي تَخرُج في المناسبات سنوياً، تشارك في شأنٍ جدِّي باستسهال، لكنها مع ذلك تلعب دوراً مؤثِّراً في التماسك أوقات تفكُّك الهويَّة والمجتمع. والبعض الآخر وطنيّ ذو رؤية، ومنتمٍ بشكلٍ ما إلى مشروعٍ وطنيّ كبير، ومتّصل بميراث الأغنية الوطنيَّة وأعمال بناء الأمم والشعوب والمزاج الوطني العام، ومكوِّن رئيسي للهويَّة. لذا فهو، من ناحية أخرى، متَّصلٌ أيضاً بفكرة ومشروع المقاومة والتمسُّك بالحق في الحياة العامة والوجود في الفضاءات المدينيَّة الآمنة خارج الخرطوم، وتحت أي ظروف.
على موقع مجلة "المراسل" الإليكتروني، كَتبت الصحفيَّة شمائل النور مقالاً تحت عنوان: "لقد قذفتنا الحرب بفنِّها الموروث"، عنت في مقالها أن تُعيد إلى ميدان الحرب سؤالاً قديماً متجدِّداً عن الدور السلبي التفاخريّ الذي تلعبه أغنية الحماسة السودانيَّة، والمبالغة التي تُضفِيهَا على الصفات والوقائع التاريخيَّة للأفراد والجماعات والشعوب، وصلتها بشيوع ثقافة الحرب وتضخيم الذات الجمعيَّة بما ليس فيها من مكارم الأخلاق. لكنها، في المقال ذاته، عرضت لأهم أعمال الأغنيات الجماهيرية الجديدة التي وُلدت بعد الحرب، واتَّخذت مواقف نحوها، رفضاً أو تأييداً. كتبت شمائل: "هي "الساقية" نفسها إنّما بعيون فجّرتها حرب الخرطوم المستمرة منذ نحو خمسة أشهر. فجاءت أغنية الحماسة «ملوك القل» لتتبنى، بمفرداتها الحربية المحمولة على إيقاعٍ شعبيّ حماسيّ، الحسمَ العسكري حلاً وحيداً وموقفاً صائباً. ثم ألقت المغنية ميادة قمر الدين سؤالها الاستنكاري في وجه سيل المنتقدين والجدل العام الذي ساد وسائل التواصل: "من قال إنّ مهمة الفن الدعوة إلى السلام فقط؟".
المغنية الذائعة الصيت ندى القلعة أيضاً تغنّت في "مطر الحصو" بسلاح الجو، والذي يعتمد عليه الجيش بصورة خاصة في حربه على قوات الدعم السريع. وقد انتشرت أغنيات أخرى أيضاً، أو بالأحرى مقاطع فيديو في وسائل التواصل، تُوالي هذه القوات وقائدها محمد حمدان دقلو" كما قالت شمائل النور.
دخلت ندى أيضاً في مشادّات كثيرة حول موقفها الداعم للحرب على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أجبرها على ترك الغناء والتفرُّغ للبث الحيّ وتسجيل الفيديوهات أكثر من مرَّة، محاولةً تعزيز موقفها في دعم الجيش بحجج مُسَطَّحة من موقع "الحَكَّامة" لا موقع الفنان المستنير أو الحسَّاس حتى؛ فهي تصُم عينيها، مثلها مثل كل دعاة الحرب، عن آلاف الضحايا وملايين النازحين الذين تلفّ حياتهم مصائر مجهولة. والغناء للسلطة حرفة معلومة لعددٍ كبير من الفنانين، لكن هل بعد أن روتها الثورة المهديَّة بالدَّم، وصدح بحنجرتها خليل فرح، وأغرقها الشعراء والمغنون الفحول بسيل كلماتهم؛ أصبحت ندى القلعة رمز الوطنيَّة الآن؟!
راجت أغنية شعبيَّة من تراث دار حمر قبل الحرب، عرضت لوصف حال أطراف الصراع السوداني الثلاثة وقتها، رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ورئيس مجلس السيادة ونائبه محمد حمدان دقلو، راج بعد الحرب أنَّها كشفت عن خروج الأوَّل -الذي هو حمدوك- من اللعبة الدائرة أوانذاك، وعدم إمساكه بخيوطها، بينما كان الثاني -الذي هو حميدتي- يستعدّ في معسكره من ذاك الوقت، ثمَّ عمدت إلى وصف البرهان بـ"الداقس". تقول الأغنية:
"حميدتي في المعسكر
حمدوك قالوا بِسكَر
البرهان دَقَس
تركب بُوكُو بس".
عطفاً على ما كتبته شمائل في مقالها، كان هناك أيضاً "ثمة من حاولن الوقوف على الضفة الأخرى، فرُحن يوظفن الأغاني ضد الحرب، على غرار عائشة الجبل التي أفردت في «الحرب الضرب»: مساحة حزن وألم إزاء الخراب والدمار. وليس بعيداً عنها تبرز إيلاف عبد العزيز التي حققت أغنيتها «بكرا الهم يفوتنا» انتشاراً واسعاً بعدما غنّت للأمل وحنين العودة للحياة الطبيعية في أرجاء ولاية الخرطوم".
ورغم أن أغنية عائشة الجبل لاقت سيل انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلَّا أنَّها -وفي سياق مطابقة القول للواقع خلال معركة القيم هذه- طَرَحَت السؤال الفلسفي الأكثر جذريَّة لهذه الحرب، وهو سؤال رحلة البحث عن الشرعيَّة المفقودة تحت أي مُسوِّغ: "ليه يعني؟ كان لي شنو؟!".
"صعدت القونة إلى الخشبة بعزَّة ماركسيَّة" من قبل، لكنها صعدت إلى القمر هذه المرَّة، وهي تنتمي -بفطرتها غير المصنوعة- إلى قيمة عليا كقيمة الحياة، بدل أن تنحاز للموت والدَّمار كلونٍ باهت ضمن ألوان علبة مكياج "قيم النخبة ومشاعرها المتلوِّنة".
من المعلوم بالطبع أن الفن التجاري غير موثوق الموقف، فهو سلعة تجاريَّة مثله مثل الزبادي ويهدُف للربح، متاح عند الطلب، وكثيراً ما "يقع في هوى السلطة" بدون موقفٍ نقديّ. هذا لا ينفي بالطبع جماهيريَّة هذا النوع من الفن، لكنه منخفض القيمة المرجعيَّة الموثوقة. رأينا، بأُمِّ أعيننا، أيام الثورة من غنَّى لها ولقيمها، لكنه سرعان ما باعها في سوق الإعلان التجاري عند أوَّل لافتة مُطِلَّة على شارع عبيد ختم!
في ذات السياق، أنتجت المغنية الشابة رماز ميرغني أغنية "بيتنا المقفول" محاولةً التعبير عن صوت الحنين للبيت المحتلّ، والطمأنينة المفقودة مع حالة النزوح الكبير. وكانت قد شاركت خلال هذه الحرب أيضاً، مع فنانين آخرين، في إنتاج "أوبريت جماعي" سُمِّي بـ"دموع النيل"، من كلمات الشاعر الغنائي محمود الجيلي وأداء نخبة من نجوم الغناء والموسيقى السودانيين، بينهم عصام محمد نور، إنصاف مدني، صباح عبد الله، أكرم سعد، وليد زاكي الدين، أشرف دهب وآخرين، كما أنتجت المغنِّية فدوى فريد أغنية جديدة أيضاً، قارنت فيها بين أحوال الحياة قبل الحرب في السودان واستدعت ذاكرة الأعياد الآمنة في الريف والمدن، مغنيَّة:
"لكن عيون الشرّ هناك،
نَصَبَت شراكها على الدرب
من كلّ روح شالوا الهَنَا
في كلّ بيت زَرَعوا الحرب".
أطلقت الفنانة نانسي عجاج مبادرة "يلَّا نغني للسودان" من مقر النادي الاجتماعي السوداني بدبي، تهدف المبادرة إلى توفير وإعانة المتضررين من أصحاب الحاجات الصحيَّة المزمنة أثناء الحرب، وعلى النقيض من موقف ندى القلعة، هدى عربي وميادة قمر الدين؛ قالت نانسي في مكالمة هاتفيَّة لـ"إذاعة العربيَّة" إنَّها تُخطط لتنظيم ثلاث حفلات جماهيرية تفتتح بها الحملة، وأعلنت موقفها الرافض للحرب قائلة: "الفنان ما مفروض يغني للحرب، هذا تناقض كبير وبه نشاز ملحوظ وغير متِّسق مع دور الفن في الحياة".
2. الفن المنتمي وفلاحة الأغنيات للوطن:
أمسية غنائية - مركز عوض مشَّاوي الثقافي
لم يكن الحفل الذي نظَّمه "مركز عوض مشَّاوي الثقافي" أمسية 22 يونيو 2023م بمدينة القضارف، بعد الشهر الثاني من الحرب، مجرَّد حفل غنائي؛ فقد حفل بمناقشات ثرَّة حول الحرب وحول ظروف النزوح، ومستقبل القيم الضرورية للنجاة في مشهد وجود معقَّد. شارك في الأمسية الفنان عاصم الطيِّب والعازف والملحن المعروف عثمان النو، شراكة فرضتها ظروف الحرب نفسها، وهَمٌّ عامّ باستدامة زرع فسيلة الحياة.
انتخب عاصم الطيِّب في هذا الحفل مجموعة من الأغنيات الجديدة والقديمة المنتمية إلى مشروع عريض لابتعاث قيم المبادرة والفلاحة المنزليَّة، وتحرير العقل والانتماء الفاعل لمشروع الوطن. الاهتمام بالحياة وبقيم العمل والمثابرة والمحبة هي القيم التي تنفخ في رئتيها أغنيات تلك الأمسية. من كلمات أغنية زراعة البيت نقتطف:
"يا سلام يا سلام على الجرجير
مزروع في المدرسة جنب الزير
زرعو الغفير وسَقَا المدير
أخضر ناير وصفقو غزير
يا سلام يا سلام على الجرجير".
ومن كلمات أغنية "الشايل السلاح" نقتطف:
"يا الشايل الكلاش بس جرِّب الزهريَّة
تاتشر بي رصاص ما بحلَّ لينا قضيَّة.
الشوف الطشاش والحكم زنديَّة
ما درب الخلاص لي شعب قال حريَّة".
3. صيف لاهب ونزوح، مدينة تتعرَّق فناً:
ختام أوبريت "بي هواك القلب غني" - اتحاد الادباء والفنانين
بعد أن فصلته الحرب من عائلته بالحدود المصريَّة السودانيَّة، عاد أستاذ التأليف الموسيقي بكليَّة الموسيقى والدراما الصافي مهدي إلى مدينة بورتسودان. وبالتنسيق مع اتحاد الأدباء والفنانين ببورتسودان، وبعض موسيقيي المدينة الفاعلين، مثل الفنان محمد البدري، عادل مسلم، سيدي دوشكا، سعيد أدروب، محمود درير، مصطفى بكري، ونادر عثمان جمال الدين؛ وموسيقيين شباب هواة ومحترفين كُثُر؛ أطلق الصافي مهدي مبادرة غنائيَّة موسيقيَّة ممتدة، ابتدأت بورشة في التأليف الموسيقي وثابرت، في ظروف بالغة الصعوبة، في إنتاج أغنيات جديدة وتأسيس كورال لمدينة بورتسودان وإنتاج أعمال خاصة لفنانين شباب؛ مثل مصطفى بكري ونادر عثمان، بالإضافة إلى أوبريت غنائي جاء تحت اسم "بي هواك القلب غَني".
الصافي مهدي أينما وقع نَفَع، تطوَّرت مبادرته بعد أعمال عديدة متواصلة بين "أغنيات للوطن" و"الحل في الفن"، إلى الانتشار والعمل مع أندية الأحياء السكنيَّة. ضجَّت بورتسودان بأمسيات موسيقيَّة حافلة، واستضافت خشبة مسرح بورتسودان أمسية غنائيَّة للطفل وندوات حول المسرح والثورة، وفعاليات مستمرة أُوجدت من العدم. نَفَخ الصافي مهدي -مثلما ظلَّ دائماً- في روح العمل الجماعي وروح حب الوطن والانتماء لمشروع الأغنية الوطنيَّة، تلك الهويَّة الجماعيَّة ذات النظر والتقعيد الكلاسيكي في حقل الغناء والموسيقى المُرَمِّم للوجدان الجماعي والذاكرة الجمعيَّة، والتي يمكن أن تغني للهزيمة إذا كانت في سبيل مشروع وطني، وهزيمة أمام مستعمر خارجي. ليست الهويَّة شيئاً ثابتاً بالضرورة، لذا ليس من المستغرب أن تحفل تمظهراتها بالكثير من المتناقضات المنافية للمنطق، لكنها منتمية لنشيد الدولة الوطنيَّة الديمقراطيَّة في طابور الصباح اليومي.
لم يشفع كل هذه الكدح للصافي أفندي أن يصعد إلى خشبة المسرح بعزَّة ماركسيَّة كعزَّة عائشة الجبل، أو حتى عزَّة نيوليبراليَّة ساي كعزَّة ندى القلعة وهدى عربي إنشاء الله، بل رَمَتهُ من الخشبة مُكِبَّاً على وجهه سافَّاً بافَّاً، مثلما رَمَت من قبله حسن الطاهر زروق وهو ينادي بهذا المشروع الوطني من داخل قبَّة أوَّل برلمان للاستقلال. ألم يمُت شاعر أغنية الاستقلال نفسه أثناء هذه الحرب فاقداً للذاكرة؟ مثل الوطن الذي تغنَّى برفع راية استقلاله بعد سبعة عقود؟!.
من ثقوب هذا المشروع الوطني الكبير، المتَّسعة منذ القدم، أنَّه ترك أبناءه الخُلَّص يصعدون إلى خشبة التاريخ بعزَّة هيجليَّة ساي، يقفون على رأسهم بدل أن يقفوا على رجليهم، أو كما قال ماركس مثلاً، محوِّراً قول أستاذه في نقد أُفق الهويَّة في التفكير.
4. الغناء خارج الحدود الغناء داخلها:
أمسية موسيقية - المركز الثقافي الإثيوبي فينديكا
جَمَعت صدف النزوح أيضاً مجموعة أخرى من الموسيقيين والمغنيين الشباب خارج حدود الوطن. إذ بعد نزوحٍ داخليّ في السودان بين عدَّة مدن، اجتمع عدد من الفنانين السودانيين بأديس أبابا، إثيوبيا، بعضهم عَبَرَ بعد إقامة مؤقَّتة إلى دُول أخرى مثل كينيا ويوغندا، وبدأوا في إقامة وتنظيم المناشط والفعاليات الثقافيَّة والفنيَّة المختلفة، نهتم منها هنا بالغناء والموسيقى.
عازف الكمان الماهر حسام عبد السلام جاء إلى أديس أبابا من مدينة بورتسودان، وكان قد سبقه إليها نجم فرقة أصوات المدينة إبراهيم بن البادية الذي بدأ في تجميع فرقته الموسيقيَّة وإجلائهم إلى إثيوبيا، الفنان مصطفى بكري والمغني حازم الشافعي وأحد مؤسسي فرقة مشروع "أسلاف" المغني محمد آدام أبوه يلتحق بالركب، ثم جاءت مهديَّة إبراهيم لأيَّام وغادرت.
مع سحب سماء أديس أبابا الكثيفة، وهي تشبه رسومات وتلاوين الفنان العالمي عبد الله محمد الطيِّب، تجمَّعت سُحب الغناء والموسيقى في "فينديكا" وتدفق الشجن الطروب مع استدعاء كمان حسام عبد السلام لصوت الغناء الوطني، وكانت ليلة ليلاء اجتمع فيها مئات السودانيين الفارين من جحيم الحرب، وأمضوا سحابة أمسيتهم في بكاءٍ وسبٍّ وتأوّه وتصفيق وصراخ. الجوع للشعور بالوطن، وأنت خارجه، ينفجر مع موسيقى الهويَّة ذات الحنين الجارف. أنغام كمنجة حسام تفتح جرحاً ليناً عنوانه مغادرة المكان وافتقاد الشعور بألفة العالم التي تستعيدها بسهولة ويسر أصوات موسيقى الأغنية الوطنيَّة وأغنيات التراث كذلك، والإثنان ممَّا برع فيهما حسام عبد السلام أثناء مشاركته الأداء الأوَّل مع فرقة موسيقى الجاز الأثيوبيَّة على خشبة مسرح فينديكا نهاية يوليو 2023.
بعد ذلك بأسابيع، وعلى شرف ختام معرض الفنان التشكيلي د. عبد الله شنقل الذي انعقد بصالة عرض المركز الثقافي الأثيوبي فينديكا، -سيجيء الحديث عنه في موضعه- وبمساعدة كبيرة ومبادرة وتنسيق من بعض الفنانين والعازفين السودانيين، نُظِّم حفلٌ موسيقيّ غنائيّ كبير في ختام المعرض، أَمَّه جمعٌ غفير من السودانيين، استعادوا صوت الوطن المفقود بالأغنيات عبر تجربة غناء وعزف فريدة جمعت نخبة من نجوم الغناء الشباب، تغنوا ببعض أغانيهم الخاصة والأغاني الوطنيَّة العامة، وغنَّى معهم الجمهور بتجاوب كبير.
شارك في هذا الحفل بالغناء كل من الفنان مصطفى بكري، الفنان إبراهيم بن البادية، الفنان محمد آدم أبوه، الفنان حازم الشافعي، والمغنية مهديَّة إبراهيم، بجانب فرقة موسيقيَّة مكوَّنة من: حسام عبد السلام، إبراهيم بن البادية، أحمد بيرم، جعفر أمين، أحمد قسم، خاطر، ونزار مبارك.
استعاد مصطفى بكري موجات الأثير المُسجَّلة بصوت وردي في فضاء مدينة أديس أبابا، حيث مشهد حفلِه الشاهق في تلك المدينة يكاد يضاهي حفل مايكل جاكسون عندما غنَّى للجفاف والمجاعة بذات المدينة. نفخ مصطفى بكري في صور الألحان، وأعاد للمدينة صوتاً تألفه تماماً، ووجد بذلك تجاوباً كبيراً من الجمهور الإثيوبي قبل الجمهور السوداني، وأدخل مفهوم الهويَّة الوطنيَّة في مأزق وجودي أمام ظاهرة عابرة للحدود كالفن! الغناء السوداني جزء أصيل من الذوق والهويَّة الإثيوبيَّة، مثلما هو الأمر كذلك مع كل دول الحزام السوداني؛ محمد عثمان وردي، عبد الكريم الكابلي، خوجلي عثمان، محمود عبد العزيز، جميعها أصوات مألوفة في بارات ومطاعم هذه المدينة وتكاسيها، وقلَّ أن تجد عازفاً إثيوبياً ماهراً، نشأ وترعرع فيها، ولا يجيد عزف الأغنيات السودانية بشكل عام، وأغنيات وردي بشكلٍ خاصّ، وأغنية خليل فرح الشهيرة "عازة في هواك".
صُنِع هذا اليوم بمحبة كبيرة وشوق جارف للاجتماع البشري بذريعة الفن، لم يكُن متوقعاً له أن ينجح لو لا الروح التي سادت بين الفنانين السودانيين الموجودين بأديس أبابا وقتها، رغم عملهم مع بعضهم البعض لأوَّل مرَّة في تلك التجربة وبدون بروفات كافية.
إبراهيم بن البادية، بنزقه المعروف وروحه الوثابة المرحة المستهبلة، شارك في أداء النشيد الوطني عزَّة في هواك بالجزء الذي يخُصَه كما قال: إذ شارك في أداء المقطع الذي تتردَّد فيه التأوهات متكررة على الأسماع بنبرات مختلفة، أدى إبراهيم الجزء الخاص بالتأوُّهات قائلاً: "والله أنا نشيدكم الوطني ده نصيبي منو التأوُّهات دي بس". أعاد إبراهيم أداء عمل قديم من أعمال فرقة أصوات المدينة ضمن ألبوم "لغة الشارع"، الأغنية باسم "الخرطوم" كلمات الشاعر عاطف خيري وألحان إبراهيم وأداء المجموعة.
توالت بعد ذلك الحفلات الغنائيَّة موزَّعة بين دول عديدة؛ أقامت هدى عربي حفلاً كبيراً في نادي الضباط بأبوظبي، ونظَّم عاطف أنيس حفلاً بالدوحة أردفه بآخر في السعوديَّة، وشارك محمد آدم أبوه بنايروبي في أمسية غنائيَّة مع مجموعة من الموسيقيين والفنانين أمثال معاوية نايل، إسلام البيتي، وبريان سيقو وفرقة نيروبي هورنس.
نظَّم تجمُّع الفنانين السودانيين بالقاهرة أيضاً مجموعة من الحفلات ابتدرها بحفل ملك الجاز شرحبيل أحمد وزوجته، والعديد من الجلسات الغنائيَّة الأخرى، وشاركت الفنانة منى مجدي سليم في حفل غنائي بدولة جنوب السودان بعد أن رحَّب بها الجمهور ترحيباً خاصاً بأغنيتها المعروفة "على قدر المحبة"، ويعود الفنان الشاب مازن حامد بحفل غنائي في مدينة القاهرة، تنظمه "ريد أمبر" بالتنسيق مع "رتينة". جاء الإعلان للحفل تحت شعار "نغني في حضرة السودان: وطنا حبيبنا رغم البين هي الأشواق".
5. بلاد النور: إظلام تام إضاءة بالأغنيات:
مهرجان بلاد النور - كلية المعلمين بالدامر
دخلت بلاد النور في إظلام تامّ لستة أشهر حسوماً، لم يترك دخان القنابل والحرائق منفذاً للنور في سمائها الملبَّدة بالموت والدخان. لم يعُد الخير يُرهِص بل القتل والنهب والجوع والمرض والهجرة والشتات. انطفأ قنديل الضوء المانح للأمل مع اندلاع الرصاص، لكن من تحت هذا الحطام الكبير، انعقدت الدورة الثانية لمهرجان بلاد النور بمدينة الدامر على الطريقة السودانيَّة، بادر المخرج الطيب صديق مع مجموعة من الفنانين والموسيقيين بطرح الفكرة على أهالي مدينة الدامر، فتلقفوها وأكملوها بعنايتهم ودعمهم اللامحدود على طريقة "الكشف" أو "الختَّة" السودانيَّة، تمويل أهلي بسيط مع تضامن مجتمعي كبير كانا كافيين لإضاءة خشبة مسرح كليَّة المعلمين بالدامر، بدورة استثنائيَّة من مهرجان بلاد النور قبل أن يكمل عاماً من إطلاق دورته الأولى بداية هذا العام.
شاركت بالغناء نخبة من الفنانين بينهم خوجلي هاشم، نادر طلسم، هاشم الدامر وآخرين، كما شارك في المهرجان بعمل مسرحي "مونودراما" الفنان القدير عبد الرحمن الشبلي، وانخرطت مجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين في إعداد المكان والخطوط واللافتات على رأسهم الفنان التشكيلي راشد ضرار.
أكتوبر 2023م