صِفة هذه الحرب وطبيعتها

صِفة هذه الحرب وطبيعتها
سكَّة: مأمون الجاك
من المعلوم أن كلّ نزاعٍ مسلح سيُولَد "مع تطوره ديناميكيات داخلية قد تصبح أكثر فاعلية من العوامل الأولية التي أدت إلى قيام الصراع (البنيوي منها والسياسي)". فالحروب فور اندلاعها "تكتسب منطقها الخاص وديناميات توسعها وتطورها الذاتي واجتذاب أطراف داخلية وخارجية إضافية، مما يرفع إلى الحد الأقصى الكلفة الإنسانية الباهظة، التي يدفعها المواطنون الأبرياء أرواحاً ودماءً نازفة، وأوصالاً مُقَطَّعة ومنازل مدمرة، وتشرداً ومذلَّة، وانكسارات نفسية وجروح معنوية عميقة، تحت وطأة الخوف، ومرارة فقدان كل شيء في لحظة". وفي حرب الخامس عشر من أبريل فـ"المؤكد أن التنافس حول السلطة مقروناً مع الخلل البنيوي المتمثل في تعدّد الجيوش وغياب وحدة القيادة هي العوامل المباشرة لاندلاع الحرب واستمرارها". وفي تقرير لمجلة الإيكونوميست نقرأ أنه: "يمكن فهم السودان، مثل العديد من البلدان الهشة، على أنه سوق سياسي حيث العملة الرئيسية هي العنف... وعلَّق دبلوماسي غربي سابق أن القوات السودانية المسلحة وقوات التدخل السريع كانتا "طرفي احتيال تحاولان محاصرة السوق"
ويرفض بروفيسور عبد الله علي إبراهيم تسمية ما يحدث منذ الخامس عشر من أبريل بالحرب، مقدماً حججه الرافضة لهذا التوصيف، ومقترحاً اسماً آخر هو أنسب وأحق بما يحدث الآن فيقول: "بأننا نصف ما نحن تحت وطأته منذ أبريل 2023 بالحرب فقط لأننا لم نفكر إن كان لها اسماً ناظراً لخصائصها لا لقاموس العالم. فلم يحص هذا القاموس النزاعات عددا حتى نكتفي بمصطلحه؛ فالبلاء الواقع علينا (حرابة) لا (حرب): فهل حدث أن وقع مثل هذا التجريد لمدينة من قبل لنُحسِن وصف ما وقع للخرطوم؟" وليست إعادة التسمية والموضعة هذه ترفاً، فبها ومنها تستبين طرائق التعامل مع ذلك الحدث ودونها (الحديث المرجم)، ويكمل: "فالحرب هي ما عَلِمنَا وذُقنا. وسيزداد علقمها مرارةً إن انصرفنا عن إدراك طبيعتها ومغازيها السياسية والاجتماعية والعسكرية لتذليله لعالم لم يستوعب بعد خبرة حربنا وخصائصها في فقه حربه وسلامه. فقولنا إن ما نخوض في السودان حرب على بينة من مصطلحها العالمي أخفى عنَّا الطاقة الإجرامية التي من ورائه، وهو إجرام يتفق علماء السياسة أنه سمة السياسة المعاصرة في بلدان العالم الثالث تزايل فيها الفاصل بين الجريمة والسياسة أو كاد...". وهي جرائم "ترقى للتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية والاغتصاب الجماعي الممنهج" ويؤكد معتصم أقرع الطبيعة الإجرامية لقوات الدعم السريع متسائلاً: "هل تحوَّرت الحرب ولو جزئياً إلى عدوان ضدَّ المواطن السوداني وتاريخه ووجوده وثقافته وماله وقداسة جسده وداره؟" إلا أن هذا الأمر غير مستغرب فـ"من تجارب النزاعات ليس هناك غرابة في أن تتحول أهداف أي صراع من محاولة أحد الأطراف للانتصار إلى تحويل الصراع نفسه كهدف يؤدي إلى عملية تدمير شامل للبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية"، ويُرجع هاشم ميرغني حجم الإجرام والخراب الذي راكمته هذه الحرب إلى "سياسة الأرض المحروقة التي تُدار بها هذه الحرب، فما يطمح إليه الطرفانِ يكمن في باطن الأرض لا ظاهرِها. ثمَّةَ سببٌ آخر لسياسة الأرض المحروقة هذه وهو الأدهى: كلا الطرفين: رهط "الإنغازيين"، ومليشيا الجنجويد لم يُسهما بحرف في تأسيس ذاكرة هذه البلد، ولم يخطَّا حرفاً وضيئاً في سطورها: لم يشيِّدا معماراً، أو يعزفا لحناً، أو ينظّما بيتاً، أو يؤسِّسا فكراً؛ كلاهما كانا غائبين تماماً عن ذاكرة دائرة الوثائق القومية، ومتحف السودان، ومراكز سجِّلات الثقافة السودانية التي يسعيان الآن إلى محوِها كلِّها عبر النهب والحرق الجماعي؛ فكيف لا يحرقانها وهي لا تحتوي على أي ذكرٍ لهما إلا في باب المخازي والشرور – أي الباب الضيق للخروج من التاريخ لا الدخولِ فيه؟ إنَّ سِجلّ الجرائم هذه محفور بذاكرة شعب لا ينسى الإساءة أبداً، وبوسعه أن يعدِّد لك بعد مائتي عام جرائم حملة الدفتردار 1822م، أو فظائع عبد الله التعايشي إبان توليه إدارة الدولة السودانية (1885 – 1899)".
وبرغم فضاء الصراع المتنازع عليه وموضعه، فإن هذه الحرب "ليست حرب مدن بمعنى أكثر دلالة. ففي حرب المدينة يوظف ثوارها الفضاء المديني عن ضعف ليستقووا به. وشرطها الأول تعاطف سكان المدينة المعنية معهم، ومعرفة كادر الثوار بمعالم المدينة لسلاسة الحركة. وتكتيكها الرئيس هو "اضرب واختف بين جمهرة حاضنتك من أهل المدينة". وهي أشراط لم تتوافر لـ"الدعم السريع" في حربه هذه. فغير خافٍ أنه على خصومة شديدة مع المدينة. وكان محمد حمدان دقلو في أول أيام الثورة قال إنه سيري المدينة وجهاً منه سترضاه. ولم تر المدينة منه ما ارتضته. ففض دعمه السريع الاعتصام حول قيادة القوات المسلحة، ذؤابة ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، بفظاظة كانت هي الوجه الذي رأته المدينة منه. ولم يتفق لها. وبلغ بقواته شطط هذه الفظاظة حد ملاحقة الشباب وإخضاعهم لجز شعورهم في الطرقات العامة. وخلافاً لحرب المدن أدار "الدعم السريع" حربه لا بتكتيك "اضرب واختف"، بل من مقار معروفة بآليات ثقيلة لا يزعم زاعم أنها خفيفة الحركة سلسة. وما دكَّ الجيش هذه المقار بسلاح الجو حتى تشرد "الدعم السريع" بين الأحياء لا ليأوي إلى أنصار متعاطفين، بل ليحتلّ دورها فيجعل من سكانها درعاً بشرياً. فالقول إن ما يجري في الخرطوم حرب مدن، لا يخلو من غلوّ".
وعند أليكس دي وال، فإن الحروب السودانية "تتبع نمطاً مروعاً ومألوفاً. ويوماً بعد يوم يتجلى المصير الذي قد تصير إليه هذه الحرب. فهي تبدأ بمواجهات شرسة، ويتعهد كل طرف فيها بانتصار سريع وحاسم. وهذا لا يحدث أبداً. على ما تبين من قبل، فمن العسير التوصل إلى وقف إطلاق نار والحفاظ عليه. فكلا الطرفين لا يرغبان في التوقف إذا كان موقتاً، في وضع حرج، أو إذا اعتقد أن النصر حليفه. ومع استمرار النزاع، تستنفد الموارد المادية والتنظيمية اللازمة للقتال، ويعمل كل جانب على تجنيد وكلاء من الميليشيات الداخلية، وطلب المساعدة من الخارج. ومن المرجح أن تخف حدة القتال وتتسع رقعته، وينهار التنسيق مع السيطرة. فإذا طال أمد الصراع، قد يتحول النزاع السياسي إلى حرب بين الأعراق، ويُستَهدف المدنيون بسبب هوياتهم. وفي دوامة التدهور هذه، قد تصبح المجاعة سلاحاً، ويجبر الملايين على الفرار" فكلما طال أمد الحرب "ازدادت فرصة الانحيازات القبلية والعرقية والمناطقية. وأضرمت حينها دون هوادة نار الحروب الأهلية" فلا عجب أننا نرى "أنَّ الشعب قد بات منقسماً على نفسه من أثر الغيرة الوطنية أو الروح القومية التي ترى أن جيش البلاد هو الملاذ عند الشدائد والنائبات، أو العصبية –بمعنى الحمية– التي ترى أنَّ الهزيمة فيها كسر لشوكة "البقارة" الذين كانوا حتى لحظة المواجهة الأخيرة رديفين للجيش في كافة حملاته التي سعت لتقويض حلم الدولة المدنية، خاصة تلك المحاولات التي قام بها أبناء الهامش في جنوب البلاد وغربها... وعوض عن أن نَكون أدواتٍ للاستقطاب ومفاعيلاً في مختبره –كأن تنحاز كل مجموعة لأحد الفريقين– يجب أن نسعى لتكوين "جبهة مدنية عريضة" تكون هي بمثابة الحاجز المنيع الذي يحول دون تماديهما في الحرب أو رجوعهما للسلطة تحت أيٍّ من المسميات، بل محاسبتهما على ما أحدثا من ضررٍ مادي شمل دمار البنية التحتية للعاصمة وضررٍ معنوي ظهرت آثاره في تصدع الوجدان القومي للبلاد"
أما عبد الله علي إبراهيم فيعترض على قول القائلين بالتحذير من احتمال الحرب الأهلية، ويجزم أن ما نحن فيه الآن هو الحرب الأهلية بعينها، يقول: "ولا يعرف المرء على أي تعريف للحرب الأهلية استند القائل إن حرب السودان غير أهلية طالما كانت بين قوتين متنافستين متعاديتين. فالحرب الأهلية تعريفاً هي صدام هاتين القوتين المتنافستين. فهي الحرب التي يلتحم فيها جيشان بلغا من التنظيم والعدد أوجهما. وهي حرب تتطاول في أمدها ويبلغ فيها العنف درجاته القصوى. وفي تعريف آخر هي صدام شرس بين الدولة وواحد أو أكثر من فصائل مسلحة في عقر دار الدولة. والتعريف للحرب الأهلية في صورتيه منطبق على الحرب السودانية الناشبة سوى أن تسليح "الدعم السريع" مما أسهمت فيه الدولة، أو غضت الطرف عنه، لغرض في نفس يعقوب. ومن المستغرب أن يغرب عنَّا مفهوم الحرب الأهلية في بلدٍ لم يَعِش إلا لماماً من دون مثل هذه الحرب، سواء أكانت حروب القوميين الجنوبيين المتواترة منذ 1955م، أو حروب الحركات المسلحة في دارفور. بدت لي خشية النفر منا من تحول الحرب الدائرة إلى حرب أهلية، وهي حرب أهلية بلا جدال، هو أن تتحول إلى حرب ما بين جماعات أهلية من الإثنيات والقبائل مما يعرف بـinter-communal war. وهي الحرب التي تتفجر على خطوط عرقية أو إثنية تتقصد الأطراف فيها ضحاياها على بينة الانتماء للجماعة العدو. وأقرب حروبنا إلى هذا المعنى هي الحرب الدائرة لوقتنا في الجنينة بغرب دارفور. ويقرنها رواة الأخبار بحرب الخرطوم اقتران النتيجة بالسبب. إلا أن حرب الجنينة حرب أخرى. فتعود في أقرب تاريخ متصل لها إلى عام 1989 كصدام بين المزارعين من شعب المساليت الأفارقة وأعراب بادية من دارفور وتشاد في ظرف تصحر الساحل وجفافه. فزاحم البدو العرب المساليت واعتدوا على مواردهم. وتفاقم النزاع في عام 1994 الذي صدر فيه تشريع من دولة الإنقاذ استباح حاكورة المساليت للبدو مكافأة لهم على خدمات عسكرية وسياسية أسدوها للنظام. وخرق ذلك التشريع أعراف الحاكورة وهي الدار التاريخية المتعينة للجماعة المعينة ويكون لها السلطان فيها. فلا يدخلها أحد إلا برضائها. ويبقى فيها تابعاً لصاحب الحاكورة لا يطمع في احتلال موقع سياسي فيها مثل مقام النظارة (في قمة هرم الإدارة الأهلية) بل ويخضع لإتاوات على وجوه انتفاعه من موارد الدار".
لكن التعامل مع هذه الحرب باعتبارها ذروة الحروب في رأي قصي همرور "خطأ استراتيجي، وأصله خطأ في قراءة الواقع بسبب الاندهاش بالحرب الجديدة. (وذلك الاندهاش نابع من أنها انطلقت من داخل العاصمة، فأثّرت تأثيراً مباشراً في أحوال من عاشوا طيلة العقود الماضية يسمعون بأن هنالك حروباً أهلية وكوارث في البلاد ولكن لم يلمسوا أثر الحروب مباشرة، وهم أنفسهم من حظوا لفترة طويلة بالقرب من مراكز السلطة والثروة التي يعترك حولها الجميع). السودان في حالة حروب داخلية مستمرة منذ الاستقلال، الأمر الذي يشير إلى أن هنالك مشاكل أساسية وهيكلية في هذه البلد لم تعالج بعد".