فنٌّ في آخر النفق!

فنٌّ في آخر النفق!
سكَّة: د. راشد مصطفى بخيت
انفجار الرأس وظاهرة الانتشار الأفقي للثقافة:
مفروش القضارف - منتدى شروق الثقافي
مع دخول الحرب شهرها الثاني، استجمع النازحون المُشتَّتون أنفاسهم في مدن جديدة خارج الخرطوم، وبادر الفاعلون الثقافيون والفنانون فيها بتقديم أعمال ومبادرات فنيَّة وثقافيَّة هدفت في معظمها لتحرير الفضاءات العامة المدينيَّة من سطوة العسكرة والخطاب الداعم للموت وحاضّ، بشكلٍ سافر، إلى استمرارهما؛ مثل مبادرة "منتدى شروق الثقافي" بمدينة القضارف شرقي السودان التي قامت بتدشين سلسلة أنشطة فكرية وفنيَّة داعمة لوقف الحرب عبر منتدى دوري ابتدأ يوم 5 يونيو 2023، واستضاف فعاليات هامة تحت شعار: "نحن نحبُّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"، ونشط مركز "عوض مشاوي الثقافي" في تنظيم الأمسيات الغنائيَّة في نفس تلك الفترة، وعادت مبادرة "مفروش القضارف" إلى الظهور في شوارع المدينة بعدها بقليل، ثم لاحقاً نظَّم مسرح المدينة أعمالاً موسيقيَّة متفرِّقة داعمة للسلام.
كتب الشاعر والصحفي حاتم الكناني في تقرير سابق له على موقع رصيف الإلكتروني أنه، وخلال الفترة من 17 وحتى 22 يونيو (حزيران) الماضي، عُقدت مناشط أولى ثم سرعان ما تطوَّرت بعدها وانتقلت إلى مدن أخرى في فشو حميد هدفه استعادة الفضاء المدني والتمسُّك بمكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة في الحريَّة والانحياز للسلام ووقف الحرب. وخلافاً للمعتاد عليه ضمن نمط مركزيَّة الفعل الثقافي المتوارث، احتضنت مدن وأقاليم السودان المختلفة أنشطة وفعاليات ثقافيَّة متنوعة في تلك الأثناء بشكل لافت؛ حيث أقيم مهرجان المسرح الحرّ في مدينة كوستي جنوب السودان، وقُدِّمت عُروضه في أحد مراكز إيواء النازحين القادمين من الخرطوم. وفي بورتسودان، شرق السودان - التي احتضنت هي الأخرى كثيراً من مبدعي الخرطوم النازحين- استطاع اتحاد التشكيليين السودانيين إقامة ورشة للرسم للأطفال، ونشطت أعمال المسرح بخشبة اتحاد الأدباء والفنانين وأندية المدينة، ونُظِّمت المعارض التشكيليَّة وورش التأليف الموسيقي والغناء التي أثمرت أعمال متنوعة بين الغناء الفردي والكورالي وساهمت في تأسيس كورال للمدينة. وفي الإطار نفسه، قدَّمت فرقة "الرصيف" المسرحيَّة عرضاً مسرحيَّاً يضاف إلى سلسلة عروضها المنتظمة قبل الحرب هو عرض "سبابي"، كما جاء في مجلة المسرح إصدارة دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة العدد ٤٤ بتاريخ مايو ٢٠٢٣م، ودَّشَّنت عروض حية لسلسة "هنكل وهوبا" الناطقة بلغة البجا ومترجمة إلى العربيَّة، ثمَّ أنتجت عرضاً جديداً بعد ذلك بقليل، وقدَّم المخرج المسرحي عطا شمس الدين أول عرض لـ"مسرحية حكايات الحرب والسلام"، في مسرح مدارس كمبوني بمدينة بورتسودان، ونشطت مبادرة "الحل في الفن" بالمدينة، وانعقد عددٌ كبيرٌ من المناشط المنخرطة في مواجهة واقع الحرب والنزوح الجديد شمل أندية الأحياء الشعبيَّة، وقدَّمت مجموعة "هبشتكات" المسرحيَّة عملاً جديداً بعنوان "كدة وكدة" على خشبة مسرح اتحاد الأدباء والفنانين يوم 9 أكتوبر 2023 المسرحية من تأليف وإخراج أسامة مكسب، تمثيل عامر حسن عامر، محمد نور يعقوب، أحمد إدريس، وديع عبد الرحيم، هناء أسامة، وميار عثمان.
كانت مدينة الفاشر المشمولة برقعة الحرب هي المدينة الأولى التي ظهرت فيها أعمال للمسرح، وكانت تجربة لافتة ورائدة من مبدعي شمال دارفور الذين انتبهوا لدور فاعل للمسرح التفاعلي في مقاربة موضوعات يومية مثل موضوعات خطاب الكراهيَّة وبناء السلام وسط المجتمعات المحليَّة من خلال شكل فني مبتكر، إذ تمَّ تقديم مجموعة من العروض التفاعليَّة بمركز صحي عبد السلام بالفاشر يوم 5 مايو 2023م، قاسمت الحضور لحظاتهم الحركة أثناء رحلة البحث عن علاج.
تميَّزت بورتسودان بنشاط ملحوظ في كل الأنشطة الفنيَّة، وكان صيفها القاسي ورطوبة أجوائها يجعلان المدينة تتعرَّق فناً وحيوية. حتى المسرح والسينما نشطا بجانب أعمال الموسيقى والتشكيل والعرض والغناء والندوات الثقافيَّة. إذ أعاد المخرج ماهر سيِّد يوم الخميس 17 أغسطس 2023م عرضه المتميِّز "أسمع يا عبد السميع" على خشبة مسرح اتحاد الأدباء والفنانين بورتسودان، وهو نص للكاتب المغربي عبد الكريم برشيد. قام بأداء الأدوار الممثِّل المسرحي قاسم العربي والممثلة أمنية فتحي، سينوغرافيا ساهر مصطفى، مساعد مخرج علاء الدين ريحان وزيتونة.
في مدينة سنار العريقة جنوب شرقي السودان، عمل عددٌ من مؤسسي رابطة سنار الأدبية -على رأسهم الأستاذ نبيل غالي- على إعادة تأسيس الرابطة وإحياء صيتها مرة أخرى، لتستوعب المواهب من كاتبات وكتاب المدينة الشبان، وكان جزءاً من الأعضاء قد عاد من العاصمة بعد نشوب الحرب، واجتمع في مدينة سنار عدد من مؤسسي الرابطة، والأعضاء الجدد لتكوين المكتب التأسيسي، واختارت الرابطة الكاتب صلاح قلاديما سكرتيراً عاماً، ونبيل غالي رئيساً. وتعمل الرابطة على كتابة دستور لها يستوعب المتغيرات التي حدثت خلال أكثر من ثلاثة عقود من توقفها بعد أن تأسست في السبعينيَّات من القرن الماضي. تلتها أنشطة متعدَّدَّة لمؤسسة "نيرفانا" التي نظَّمت بذات المدينة مجموعة هامة من الندوات وورش العمل في حقول ثقافيَّة مختلفة مجاورة للكتابة؛ مثل ورشة شغف الكتابة أو ورشة صناعة الموسيقى وغيرها، مما ينبئ بنشاط غامر يشهده شباب المدينة بمعيَّة أنشطة نيرفانا.
أما في مدينة الكاملين، فقد دشَّنت المديرة الثقافيَّة بمركز جوته الألماني الأستاذة سحر عبد العظيم مبادرة "بداية جديدة"، والتي استهلَّت نشاطها بمراكز إيواء مدينة الكاملين بعرض مسرح عرائس ومرسم للأطفال يوم 9 يونيو 2023م، وأشرف على تنفيذ العرض عضو فرقة الجمام المسرحيَّة ياسر علي، وشارك في المبادرة عازف الفلوت مرزوق، مهتدي الحلاوي، محمد عبد الرحمن وآخرون، ثُمَّ واصلت المبادرة عملها بعد ذلك في أكثر من منحى ونظمَّت بازاراً متميِّزاً للصناعات التراثيَّة والمشغولات اليدويَّة لنساء وشابات مراكز إيواء المدينة.
على ذات المنوال، نشطت الحركة الثقافيَّة بولاية النيل الأزرق أيضاً بشكل ملحوظ، واستضافت المخرج المسرحي المتميِّز وليد الألفي في ورشة حول صناعة العرض المسرحي خرج من عملها الدؤوب عرضٌ مسرحيٌّ مبهر، جاء بمشاركة فاعلة من أبناء وبنات المدينة، ثم كرَّر التجربة نفسها في مدينة القضارف بحجمٍ أصغر قبل أن يجتمع شمله بأبنائه مرَّة أخرى في مدينة بورتسودان بعد أشهر طويلة من ورشة ولاية النيل الأزرق تلك، وستكون الفرصة مواتية ليعقد مع شباب مجموعة الرصيف ومعهد السودان للأفلام ورشة الأداء التمثيلي التي خلَّفت أثراً طيباً على جميع المشاركين. أيضاً نظَّمت مؤسسة "فاوي فيلمز" أولى ورش أعمالها حول سينما التأثير بالمدينة، واستضاف معهد السودان للأفلام فعاليات أخرى. وشهدت دورة مهرجان بلاد النور المنعقدة بمدينة الدامر شمالي السودان، شهدت تقديم عرض مسرحي مونودرامي من أداء الفنان القدير عبد الرحمن الشبلي كجزء من فعاليات المهرجان.
بدرجةٍ أقل مما كانت عليه في سابق عهدها، لم تشهد فضاءات مدينة ود مدني ذات النهوض الثقافي الذي شهدته بقيَّة المدن، واتسمت ملامح ضيافتها للنازحين بوجه كالح سَمته الجشع، والناتج عن كثافة الازدحام الأولى بعد الحرب؛ حيث بلغ عدد مراكز الإيواء فيها إلى 600 مركز، وضمَّت، ضمن نازحيها، فنانين وصحفيين وممثلين ومخرجين. حيث قدَّم ابن المدينة المخرج والدراماتورج عز الدين كوجاك تجربة مسرح تفاعلي ضمن تجربته الموسومة "مسرح الكارو"، وتضافرت مجموعة من الممثلين مع المخرج المسرحي ربيع يوسف لإخراج مسرحيَّة جديدة بعنوان "متاريس"، لكن النشاط الأبرز لهذه المدينة، بجانب هذه الأعمال، هو عودة معرض الوراقين للكتاب الذي تنظّمه دار المصورات بالتعاون مع مكتبة الوراقين في دار المحامين بود مدني ضمن فعالية تأبين الشاعر الراحل محمد محيي الدين. وفي سياق شبيه بتجربة مفروش القضارف وعودة معرض الوراقين للكتاب، نظَّمت حركة معرفيُّون معرضاً للكتاب بمدينة كادوقلي من 20 – 24 سبتمبر 2023 بفناء حوش إذاعة المحبة والسلام بالمدينة.
جاء في البيان الذي أعلنت به مؤسسة الوراقين ودار المصوَّرات للنشر والتوزيع تنظيمها لهذا المعرض الذي ينوي التجوُّل في أكثر من مدينة بعد مدينة ود مدني، سدرة الوراقين -كما وصفها البيان المنشور بصحيفة مداميك- جاء في هذا البيان: "النجاة من الحرب تستلزم توسيع ُأفق المعرفة، وإمكانية تخيُّل عالم أفضل. النظر المُركب، تأسيس المستقبل، أُفق الخيارات، هذه هي مكونات المعركة المدنية في بلادنا".
كتب الصحفي عثمان الأسباط بموقع إندبندت عربيَّة، عن مبادرة مسرحيَّة أخرى بمدينة ود مدني تستخدم السايكودراما في عملها داخل مراكز إيواء النازحين، وبمعيَّة نجوم مسرح ودراما متنوعين. إذ "تُقدم المبادرة التي يقوم بها ممثلون سودانيون صورة مغايرة عن واقع القتل ورعب البنادق التي كونها الفارون من جحيم الاشتباكات المسلحة، من خلال مسرحيات بسيطة مليئة بالحياة والأمل والمستقبل المشرق، ولا يقتصر عمل الدراميين على تقديم الأعمال الفنية، بل يتعداه إلى اكتشاف المواهب ورعايتها وضمها إلى الفرق المسرحية عقب توقف الحرب، وتناقش المسرحيات قصصاً حقيقية عن أوضاع النازحين، إذ يشارك الممثلون في تجسيد شخصيات تعكس التحديات التي يواجهونها وكيفية الدعم والعلاج الذي يساعدهم في التعافي".
كان الحدث الملفت للانتباه خلال هذه الفترة لحرب الخرطوم، وظاهرة "الانتشار الأفقي للثقافة والفنون"، هو شروع أبناء وبنات "منظمة بحر أبيض للثقافة والفنون" في إعادة افتتاح وتأهيل "سينما كوستي الأهلية" يوم 10 أغسطس 2023م، بعد توقُّفٍ دام لأكثر من 27 عاماً. ويُذكر أن سينما كوستي الأهليَّة تُعتَبر من أقدم دور السينما في السودان؛ حيث تمَّ افتتاحها في العام 1951 بواسطة مساعد مفتِّش مركز كوستي الراحل شرف الدين أفندي محمد.
في ربك أيضاً نشطت مبادرة للمسرح التفاعلي ضمن مُبادرة "كُلَّنا قِيَم" المشرفة على إطعام وإيواء مراكز عديدة، تعمل بقيادة الممثل حسن عثمان الشهير بحسن الشين. نفَّذت هذه المبادرة نشاطها الأوَّل بداية أكتوبر 2023 والتحقت بركب أنشطة مزدهرة للمسرح بعد الحرب ودور مزدوج المهام كما سيؤكد هذا التقرير على ذلك.
السفر ومسرحة الشتات والوحشة بالدمازين
ورشة صناعة العرض (وليد الألفي) - الدمازين
صورة: راشد المرير
واجه المسرحيون أوَّل ما واجهوا سؤال هل الفن ترف أم ضرورة وجوديَّة؟ فعندما تتغطى سماء المدينة بدخان البارود يظن البعض أنه لا مكان للفن، لذلك واجه المسرحيون ضمن مواجهاتهم العديدة هذا السؤال بإجابات عمليَّة تؤكد على دور آخر مقاوم وتنويري ومتجذِّر في المكان بكامل معطياته الوجوديَّة. المكان هنا هو المساحة الفارغة التي تعيد اجتماع البشر الذي انهدَّ بعد الحرب تماماً وأصبح احتياج الناس في مدينة الخرطوم اليومي هو سواعد تحفر القبور!
في وقت لاحقٍ من نفس الحرب، نزح المخرج وليد الألفي من مكان إقامته بأمبدَّة إلى ولاية النيل الأزرق مدينة الدمازين. خطَّط لورشة مسرحيَّة طويلة نُفِّذت بمعونة الأصدقاء، أسموها ورشة صناعة العرض الدمازين، ولقيت إقبالاً منقطع النظير، إذ اتُّفق أولاً على أن تقتصر المشاركة بين 15 إلى 20 مشارك على الأكثر، تمَّ التفاهم بعدها على جعلهم 25، وبعدما بدأت أعمالها كان عدد المشاركين 37 مشاركاً ومشاركة، بينهم أكثر من عشرة موسيقيين ومغنيين شعبيين، وقامت على تنوع المشاركة لغوياً بين مجموعات اللغات المحليَّة بمدينة الدمازين.
لوليد الألفي خبرة واسعة في التدريب على صناعة العرض وفق منهج يخصه يقوم على مبدأ تطويع البيئة وتنشيط الخيال، يهتم بمكوِّنات العرض المختلفة من إضاءة وديكور وتمارين ومكياج مشتق من المواد غير الضارة والصديقة للبيئة.
خلال فترة أسبوعين من التدريب الدؤوب المتصل أنتجت هذه الورشة عرضاً مسرحياً حمل صورة واقع النزوح والشتات إلى ساحة العرض عبر فكرة بسيطة هي السفر. صمَّم مجموعة من البصات السفريَّة في ميناء بري لكل وجهتها المختلفة عن الأخرى. يختلط الممثلون بالجمهور أوان صعودهم للبص الذي هو جلوسهم لمشاهدة العرض في الآن نفسه، وتنقلهم اللغات المحليَّة واللهجات إلى أمكنة جديدة خارج هذه المحطة المؤسسة للحظة السفر والترحال والشتات. الممثلون يحملون حقائبهم ويتوزعون على البصات وفق خطة مسبقة تستبطن لحظة انفصال وفراق ما بين أفراد الأسرة الواحدة. وقد وجد استخدام اللغات المحليَّة استحساناً كبيراً من الجمهور وبعث في فضاء العرض شعوراً مباغتاً بالراحة بعد القسوة التي أظهرها في تجسيد وتثبيت لحظة الشتات القريبة من أذهان كل الحضور بفعل واقع الحرب الماثل هنا والآن.
3. استبدال هويَّة النزوح ومسرحة الجشع في ود مدني
ورشة بناء العرض المسرحي - ود مدني، دار إيواء عازة
من التجارب المسرحيَّة الملهمة التي التأمت بعد الحرب أيضاً بمدينة ود مدني، تجربة "ورشة بناء العرض المسرحي" التي طرأت واختمرت فكرتها وتم تنفيذها من أحد دور إيواء المدينة "دار إيواء عازة"، وعلى خلفيَّة اجتماع عدد من المخرجين والممثلين المسرحيين من أبناء مدينة ود مدني، مثل الممثل معتصم الجبور، محمد أحمد الشاعر، أنور حسن، والممثل نصر الدين عبد الله. بجانب ممثلين نازحين من الخرطوم منهم المخرج ربيع يوسف الحسن، عباس اللفيف، غدير ميرغني، مزدلفة الحاج، محمد ود البحر وميسرة حسن بخيت في مساعدة الإخراج.
يقول المخرج المسرحي ربيع يوسف عن عرض متاريس: "من ذاكرة النازحين نفسها أنتجنا عرض "متاريس"، حيث حاولنا أن نستبدل هوية النزوح بهوية المقاومة، أن تنتقل من حالة كونك نازحاً في انتظار شيء لن يحدث، في مقابل ابتداع هوية الفعل والمبادرة في المكان الجديد وفق ظروف معلومة. كان همنا الحفاظ على هويَّة المقاومة الثقافيَّة من موقع المسرح، دون أن نتنازل عن حقّنا في التعرُّض للسياسي، وواجهنا صعوبات أمنيَّة في التصاديق لعرض العمل في دور إيواء أخرى بعد أنَّ أمّ العرض جمهور غفير جداً في العرضين الأوَّلين بمركز إيواء عزَّة".
قُدِّم العرض الأوَّل للمسرحيَّة في قصر الثقافة بمدينة ود مدني بداية يوليو 2023م.
أما في أكتوبر، وعندما شارفت الحرب على إكمال شهرها السادس، فقد أعادت مسرحية "نقطة زلط جديد" مناقشة مشكلة النازحين أنفسهم وحكاية حكاوي هربهم وتعرُّضهم للاستغلال والجشع البشري بعد أن هجَّرتهم الحرب من منازلهم ونزحوا إلى مدينة ود مدني زرافات.
المسرحيَّة بطولة النجم عوض شكسبير والنجم أسامة جنكيز ومجموعة من نجوم المسرح. تأليف وإخراج عمر الحاج. وهي عبارة عن مسرحية اجتماعية كوميدية تتلخص فكرتها الأساسيَّة فى تصوير ومسرحة خروج أسرة من الخرطوم إلى مدينة ود مدني، تتعرَّض الأسرة للابتزاز من قِبل تجار الأزمات فيما يتعلق بالسفر وإيجار مسكنٍ يأويهم وخلافه من ضروريات النجاة. تتطرَّق المسرحيَّة بصورة كوميدية أيضاً للصراع الداخلى للأسرة، بين مغادرة البلاد أو التوجه نحو الولايات، كما تُنَاقِش أوهام السفر إلى أوروبا وأمريكا والهجرة خارج الحدود.
تقدم المسرحية بانوراما عن مدينة ود مدنى بتاريخها ورموزها وأعلامها وأحيائها السكنية، وفي ختام المسرحيَّة تقرِّر الأُسرة أن الحل يكمن في الإنتاج، وتبدأ مشوراها الجديد بفلاحة قطعة أرض زراعية والحض على العمل والإنتاج. حدثت أشياء طريفة أثناء بروفات هذه المسرحيَّة بنادي الجزيرة، إذ لاحظ فريق العمل أن الحضور بدأ يصبح حضور عرضٍ كامل، وفريق العمل لا زال في مرحلة حفظ الحوار، إذ قال مخرج العرض عمر الحاج في إفادة خاصّة لـ"سِكَّة"
إن "الأمر أصبح خارجاً عن السيطرة بعد الأسبوع الثاني، ممَّا اضطرني لتوقيف الأداء والعمل على حفظ وبناء الحوار والممثلين جلوساً. واستغرقت بروفات هذا العرض ما يقارب الشهرين نسبة لظروف النزوح والمرض والأعمال الطارئة التي كانت تطرأ لبعض أعضاء فريق العمل".
هنالك تجربة أخرى للمسرح التفاعلي في مدينة ود مدني، أُنتِجت ونُفِّذت خلال الشهر الخامس للحرب، حيث اجتمع عاطف البحر وغدير ميرغني، نصر الدين عبد الله، عباس اللفيف، عايدة أحمد محمد، سلمى عبد الله، ربيع يوسف الحسن، مزدلفة الحاج، ومحمد البحر؛ اجتمعوا أيضاً على نصّ يناقش قضية التخطيط للولادة والأمومة الآمنة داخل مركز الإيواء وفي القرى، إذ هي قضية تهم كل المجتمع بمختلف أطيافه بحسب غدير ميرغني.
سُمِّي العرض "نعومة حامل"، وتمَّت معالجته بأسلوب المسرح التفاعلي ودار نقاش كثيف أثناء بروفات العرض مما استدعى مشاركة "قابلة" متخصصة خلال هذه المناقشات. يقول غدير ميرغني، أحد الممثلين المشاركين في هذه التجربة: "كانت المتعة في عروض مراكز الإيواء بمدني تكتمل بنقاش الجمهور ومشاركته لنا العرض. أحد العروض كان في مركز يضمّ عدداً من الصُّم وأُسرهم واندهشنا للتفاعل الذي وجدناه والنقاش الذي دار". استمرَّ تقديم هذا العرض في أكثر من مكان خلال شهر أكتوبر 2023م.
3. رصيف بورتسودان: المسرح والتِّيه السياسي الوطني
مجموعة الرصيف المسرحية - بورتسودان
نشطت مدينة بورتسودان في مجالات ثقافيَّة وفنيَّة متنوعة بعد الحرب وقبلها، وبرزت في عدد ونوع الفنون التشكيليَّة، يُضاف إلى ذلك أن المدينة شهدت تقديم أكثر من ثلاثة عروض مسرحية بعد الحرب رغم سخونة فصل الصيف اللاهب. مبادرات كثيرة ومعارض تشكيليَّة وأعمال موسيقيَّة وغناء سيجيء ذكرها في موضعها المناسب من هذا التقرير.
ضمن أعمال المسرح، أعادت فرقة الرصيف المسرحيَّة عرض عملها المتميِّز "سبابي" بمسرح اتحاد الأدباء والفنانين يوم 20 يونيو 2023م، بجانب مشاركاتها الأخرى في فعاليات نازحي المدينة وأندية الأحياء السكنيَّة بسلسلة عروض "هنكل وهوبا". كما أنتجت الفرقة عملاً مسرحياً جديداً تمَّ عرضه بعد "سبابي" هو عرض "نجاة" ديودراما من تمثيل مريم يوسف وناريمان فايز، تأليف محمود طالب، موسيقى سعيد أدروب، إخراج قاسم العربي.
يتناول عرض مسرحيَّة "سبابي" حكاية التيه الوطني العام الذي يخيِّم على سماء السياسة السودانيَّة بعد نجاح ثورة ديسمبر 2018م الاجتماعي والثقافي وفشلها سياسياً، خمسة شباب وشابتان تجمعهم رغبة الهرب من واقعهم المزري فيستعينون بأحد معارفهم ليصلهم بأحد "سبابة" البحر، الذين لا يمكن لأي رحلة كهذه أن تكتمل دون وجودهم. ويدور الحوار حول أسباب هرب كل واحد من هذه الشخوص في ارتباطه الرمزي بواقع وإسقاطات وتمظهرات حالة الأزمة الوطنيَّة العامة، والأطماع الشخصيَّة، والتقلًّبات غير المنطقيَّة في المواقف والإقصاء! إذ يختلف هدف الرحلة من كل شخص عن الآخر وتُبرِز مشكلة اختلاف الهدف هذه بالضرورة مشكلات أخرى مرتبطة بها. ضمَّت تضاعيف الحوار الدرامي إلماحات ذكيَّة موزعة بين ثنايا الرحلة نفسها عبر تشخيص كوميدي للواقع السياسي، فضح العرض لغة السُلطة وحاول مقاربة التحوُّل الذي تُحدثه على الإنسان بشكل كوميدي أثناء مفارقات المواقف.
انتهت حكاية الرحلة بهؤلاء الأشخاص وهم جلوساً في أماكنهم على ساحل البحر الأحمر، دون أن يأتي مُركَب خلاصهم المنتظر، وانتهى بهم الأمر إلى أن تحزَّموا وتلزَّموا وقرروا البقاء في مواقعهم ومواجهة مشكلات الواقع التي دعتهم للهرب، آثروا العناية بمعطيات الحياة التي تفجَّرت ينابيعها أمامهم خلال مدَّة إقامتهم القصيرة بالساحل. استخدم العرض الرقصات الشعبيَّة والغناء التراثي كجزء من تصميم العرض نفسه، ولعبت هذه المزاوجة الجماليَّة بين الرقص والأداء دوراً في إبراز خرائط المكان الثقافيَّة المتنوعة تاريخياً. الديكور الخشبي البسيط وانتظام حركة المجاميع أكسبا العرض خفةً ورشاقة، ورغم بساطة الإنتاج والتنفيذ إلَّا أن الصورة المشهديَّة له جاءت غنيَّة بالتنوع البصري في الأزياء والإكسسوار وتشكيل مجاميع الرقصات.
مياه كثيرة جرت تحت جسر الأيام، عرضت حياة وآمال وخيبات هؤلاء الشخوص، تعرُّوا خلالها أمام أنفسهم وواجهوا زيف ادعاءاتهم بحنق، لكن عزيمة الغد التي ترعرعت في الأثناء بين هذا الحطام أجبرتهم على العدول عن هذا الدرب الذي يقود إلى اللا مكان، وينتهي بهم الأمر-العرض بمشهد مغادرتهم الجماعيَّة للساحل يُردِّدون بصوت جماعيٍّ عالٍ: "نرجع نرُد الحقوق، الحقنا ناخدوا، والعلينا يمرُق من ذمتنا".
المسرحيَّة من تأليف: "محمود طالب"، إخراج "قاسم العربي"، تمثيل: محمود طالب، محمد حسن تشبوبي، محمد يعقوب، عاصم هاشم، عامر إدريس، ناريمان فايز، ومريم فايز.
4. هل الحرب عبثيَّة أم مأساوية؟ الضعين تجيب:
مكتبة المعرفة للقراء - نيالا
رغم وقوعها في منطقة حرب فعليَّة لأكثر من مرَّة مثلها مثل الخرطوم راهناً، لم يكن مفاجئاً أن تنخرط مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور في هذا الانتشار الأفقي الكبير للثقافة والفن والأنشطة التي تنشُد الحياة ووقف الحرب ومقاومة عسكرة الفضاء المدني، وكانت مبادرة الأستاذ محسن محمد محمود الموسومة "مكتبة المعرفة" للقراء المجانيَّة. المكتبة عبارة عن راكوبة كبيرة بها ست شاي وقهوة تعمل في أوقات سكوت الرصاص وتمنع البيع والشراء والإعارة. فقط عليك أن تطلب كباية شاي وتنتظر اندلاع مفاجئ للحرب.
لكن كان من الغريب واللافت للنظر أن تنشط مدينة الضعين بولاية شرق دارفور في عمل ثقافي كبير ومؤثِّر، نفذه المركز الثقافي لولاية شرق دارفور وقدَّم ضمن أنشطته عرضاً مسرحياً غنائياً متميِّزاً عرض لحالة المأساة الناجمة عن انفجار حالة الموت في دارفور بشكل عام وفي شرقها بشكل خاص. تفاعل الحضور بطريقة مؤثِّرة مع مشاهد القتل والترويع ولعلعة صوت الرصاص، انتقال الحياة من حال الطمأنينة والعمل إلى حالة الموت والعدم. راج مقطع فيديو قصير لهذا العرض المتميِّز أظهر جمهوراً كبيراً مصاباً بنوبة بكاء متفشية في المكان كردّ فعلٍ على حكاية ومشاهد هذا العمل المسرحي المتميِّز، والذي بالإضافة لكونه يعزِّز فرضية الانتشار الأفقي للثقافة بعد حرب الخرطوم؛ يغيِّر الفرضيَّة الرئيسيَّة المدَّعاة من قبل جنرالات الحرب بأن هذه الحرب "عبثيَّة"، ويظهر البعد المأساوي الناجم عن الفقد والخوف والهلع، البكاء بأثر طزاجة الذكرى ونداوة الألم. الحرب من وجهة نظر الضحيَّة ليست عبثيَّة بل موغلة في المأساة وتتوق لمعنى جديد للعالم ينهض من تحت هذا الحطام، الألم يعلّمنا أسرع طالما لم يستطع فعل ذلك الكتاب.
أكتوبر 2023م