حروب متلعثمة

حروب متلعثمة
سِكَّة: مأمون الجاك،
27 سبتمبر 2023
تقديم
"محا السيفُ أسطارَ البلاغة"
كانَ الملك جورج السادس، ملك بريطانيا العظمى، عيياً حصوراً، ولما بدأت الحرب العالمية الثانية، توجَّبَ عليه أن يُعلِن بنفسه عن مشاركة بريطانيا فيها، وفي بيان إعلانها، لم تكنِ الحرب هي ما يشغلُ بالَ الملك، ولا مصائر الجنود الذين سيبعثهم إلى الموت، ولكن فكره انشغل حينها بحلّ عُقدةِ لسانه، فأي تلعثمٍ أو تأتأة سيجعلانه موضِع سُخرية، وسيُحملانِ على غيرِ حقيقتهما، لذا فقد استنفد غايةَ جَهده؛ ونجح إلى حدٍّ مُرضٍ، في تلاوة بيانِ الحرب بطلاقة.
هذه حربٌ لا يعقِلُها خِطاب، وتبدو كل إحالة مكتوبة إلى وقائعها وفظائعها ناقصة وقاصِرة عن الإحاطة بها، بَلْه أن تكون تلك الإحالة في سبيل استمرارها. لسنا ها هنا إزاء عجز الشّعر المدعى أمام الواقع فقد: "خرقت الحرب العبثية المرذولة ما هو معتاد لدينا، واستحقَّت بذلك اسمها ووصفها، إذ جعلت عالي كل شيء هو أسفله؛ مثل أن تهرول شمالاً لتصل إلى الجنوب، ومثل أن تنتظر الديمقراطية من مليشيا تعاقدية يملكها رجل واحد، ليس قبله ولا بعده، أو تنتظر (الكرامة الإنسانية) من رجل شهد الجميع على عدم صدقه ولا أخلاقيته".
معظم الكتابات التي حاولت تعريف هذه الحرب وبحث أسبابها وتعيين طبيعتها، سواء في مداها الزمني الأقرب، منذ ثورة ديسمبر 2019 وحكم الإنقاذ الممتد لثلاثة عقود، أو حتى التي مضت إلى زمن أبعد منذ نشوء دولة ما بعد الاستعمار، أو حتى إلى قرنين من الزمان، قَصَرت بحثها، قصداً أو اتفاقاً، على الخرطوم كمركز لنشوء الحوادث التاريخية، بحسبانها ظلَّت عاصمة للبلاد منذ تأسيسها، وتولَّت طبقتها الحاكمة إشعال الحروب في أطراف البلاد القصية: جنوباً وغرباً وشرقاً. وهذه قراءة تصحّ عموماً، بإهمالها لتفصيلات صغيرة، وباستنادها على استمرارية تاريخية متمثلة في حكام البلاد هي (العرق والطبقة)، وإن كان ذلك التفسير الخطي والتراكمي للتاريخ يعزز من خطاب أحد طرفي الحرب، كما أن "التصورات التبسيطية لا تأخذ في الاعتبار طبيعة التعقيد الذي أصبح لازمة للعالم المعاصر، وتداخلاته الجيوبوليتيكية، وأن القراءة الخطية لحركة التاريخ لم تَعُد فقط من الماضي، بل لم تعد موضوعية وذات معنى تفسيري".
ووفقاً لجميع ما اطلعت عليه عن هذه الحرب، فإنها ضرورة حتمية، وبعيداً عن التوتر السابق لابتدائها، فإن طرفا الحرب يزعمان أنها حرب مفصلية، لإنهاء دولة 56 أو للمحافظة على رقعة السودان الجغرافية، إنها من منظور ما سبقها مُبَرَّرة، فالدولة الحديثة لا تحتمل وجود جيشين، إذن فلا بد من إصلاح هذا الخلل البنيوي، وبالنسبة للطرف الآخر فإن استئثار الخرطوم بالسيادة لم يعد متاحاً بعد الآن، على الحسابات إذن أن تسوى. فهذه الحرب، حسب دي وال، "غير مفاجئة" في سياق التاريخ السوداني، لكن كان بالإمكان الحيلولة دونها في زعمه "من خلال الدبلوماسية الغربية" وهو ما يُشَكِّك فيه شاراث سرينيفاسان قائلاً: "إن تركيز القوى الأجنبية المهووس على عملية الانتقال أدى إلى تمكين الجنرالات وإضعاف الناشطين الديمقراطيين، مما مهد الطريق للحرب".