الثورة في حِلّها وارتِحَالها

الثورة في حِلّها وارتِحَالها

الثورة في حِلّها وارتِحَالها

سكَّة: مأمون الجاك

 

نص خارجي:

 

لا توجد ثورتان متشابهتان، مع أن كل طغاة التاريخ متماثلون إلى هذا الحدّ أو ذاك: الطُغاة لا أنظمتهم الشمولية، فكلّ مقاومة لسلطة تقتضي المعرفة الدقيقة بها، وبالوسائل الأنجح في التحرّر منها. ولأن كل ثورة نسيجٌ وَحدها؛ ينفر السودانيون من مغبة المشابهة بثورات الربيع العربي، تطيّراً حيناً، نَظَراً لما آلت إليه بعض تلك الثورات، أو اعتزازاً بسَبْقِهم في تجاربهم الفريدة في القرن المنصرم، في الثورات الشعبية: أكتوبر 1964م وأبريل 1985م. وكلا السياقين، الإقليمي والمحلي، كان حاضراً في الأذهان طيلة أيام الثورة، استلهاماً مرةً، وحَذَراً مَرَّات من تكرار الهفوات؛ فجزءٌ من دعاية النظام السابق كانت قد استَنَدَت على التخويف من مصائر دولٍ وشعوبٍ مُجَاوِرة، وهي دعاية خَبِرَهَا السودانيون طويلاً، وإن لم تُحقِّق في ديسمبر أثراً يذكر؛ فالمخوف وقَعت بالفعل لا ما سَيَحدث: حروبٌ أهلية وانفصال ومذابح متعدّدة.

 أما الاستلهام للماضي الثوري فلم ينقطع؛ بدءاً من تذكّر شهداء وضحايا عنف السلطة القائمة حينها، طلاباً كانوا أم أهالي لمناطق بعينها، أو سياسيين، وظهور صورهم ومطالب القصاص لهم في (بوسترات) الدعاية للمواكب، ولاحقاً في المواكب نفسها، إضافة إلى التغنّي بالأغاني المُمَجّدة لثورتي أكتوبر وأبريل.

لا يمضي التأريخ في مسارٍ خطيّ أفقي، وإنما له أطواره المتباينة، وله منطقه الخاص، كما أن لكل ثورة شروطها التاريخية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغاياتها المُتَمَايِزَة عن سِوَاها، لكن تأريخاً وتحليلاً دقيقَين لثورة ديسمبر/أبريل، لا يمكن أن يتحقَّقا دون استصحاب التجارب السابقة لها والاستئناس بها، لذا، سيتضمن هذا التوثيق بحثاً في أشكال الاتصال والمُشَابهة، أو الانفصال والمباينة عن/ لـ تواريخ وطنية بعيدة، كثورتي الشعب السوداني في القرن الماضي، أو قريبة، كهبة سبتمبر 2013م؛ إذ يعتبر كثيرون أن ثورة ديسمبر- أبريل امتدادٌ لها، وإكمالٌ لما لَم تَبلُغهُ تلك الهَبَّة.

سيُقَسَّم هذا البحث إلى عناوين فرعية، مثل (اتصال/مشابهة)، وفيه ستتم الإشارة إلى أوجه الشبه والصلة بالثورات الماضية، والتي لاحظها الباحثون والمؤرخون لهذه الثورة، ثم (انفصال/مباينة) وفيه سنذكر ملاحظاتهم حول فرادة هذه الثورة والاختلاف والتغيير اللذين طالا كلاً من بنية الدولة والمجتمع والسياق العالمي والإنسان نفسه. أما الاختلافات والتشابهات المعروفة، مثل الطول الزمني لأحداث هذه الثورة مقارنة بسابقاتها واستمراريّتها على المستويين، الحركي والمفاهيمي، لبلوغ غاياتها، وكونها انطلقت في الريف، وطبيعة النظام القائم حينها وعنفه الذي يفوق عنف الطغاة السابقين مجتمعين، وكون بنية الدولة في ديسمبر 2018م بلغت مبلغاً بعيداً في التفكك، حدَّ وجود عدّة جيوش للسلطة وللمعارضة، وكذلك في اتخاذ ذكرى 6 أبريل 1985م يوماً للوصول إلى مبنى القيادة العامة للجيش في الخرطوم في العام 2019م، وتسليم مذكرة لقادته، مُطَالِبَةً بالانحياز للشعب وتنحية النظام القائم حينها.

كل هذه التفاصيل سنناقشها ضمن أسباب وعلاقات أوسع، إما مُوَلِّدة لها، أو ناتجةً عَنهَا.

تجمع المهنيين السودانيين

على الثوريّ أن لا ينسى بواعث آماله والمنابع القديمة لأحلامه، فهي كما وصفها الشاعر الجاهلي:

مُنىً إن تكن حقّاً تكن أحسن المُنى    وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا

من تلك المُنى بلا شك كان ظهور (تجمع المهنيين السودانيين) وأخذه لزمام المبادرة في التعبئة للمواكب والإعلان عن ميقاتها، بدءاً من موكب ٢٥ ديسمبر ٢٠١٩ بالعاصمة الخرطوم. ففي ظهوره وُجِدَت إجابات لعدّة أسئلة جوهرية، وإن كانت إجابات غير تامة ومؤقتة، وفي سني الثورة اللاحقة توقفت عن الاكتمال لظروف سياسية، إلا أنها في أشهر الثورة الأربع الأولى، كانت كافية لطمأنة مخاوف البعض حول سؤال التمثيل وتعريف الثوار لأنفسهم، ولم يكن التعريف المُقَدَّم من قِبَل التجمّع جهوياً أو إثنياً أو طَبَقيّاً، ولكن تعريفاً للأمة وِفقاً لمرجعيّاتها القديمة، وتعريفاً للدولة الغائبة، وهذا هو عمل الثورة فهي: "تعمل على تنشيط البنية السردية المُعَطَّلة ومَرَاكز المقاومة في ذاكرة شعبٍ ما، أيّ أنها، بلغةٍ أخرى، سردٌ فوقَ السّرد".[1] أي أنها تُعيد سرد الأمة. فقد تمّ تعريف جموع السودانيين إما كفاعلين حاليين أو مُحتملين في جهاز الدولة، أو مبعدين ومتضررين من سياساتها باختلاف أشكالها، وكان ذلك عبر تعريف الفاعلين والضحايا بوظائفهم ومِهنهم أو مظالمهم، فهذه الثورة "لم ترفع شعاراً هووياً واحداً، بلّ رَفَعت، بلسان الحال أو المقال، شعارات حقوقيّة وإنسانية كونية: الكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية والتقدم والحرية والسلام"[2]

 وكان ذلك التعريف مؤثّراً؛ لأنه التعريف الوحيد الذي يَسع عدداً غير محدود من الفاعلين، ويدفعهم للتنظيم والالتحاق بالفعل الثوري، ولكون صورة الدولة في أذهان كثيرين ممحوَّة بسبب غيابها الفعلي، وإسقاطها المتدرّج في الزمن لمسؤوليَّاتها الاجتماعية والاقتصادية، حتى آلت في النهاية إلى ما شاهده الثوار في شوارعهم وداخل بيوتهم: وحشٌ لم يبقَ له من خطاب إلا سلطة آلته العنيفة، وأجهزته الشرطية والأمنية غير الخاضعة لأيّ قانون، والتي تُمارس التقتيل والاعتقال والتعذيب واقتحام البيوت وإفزاع آهِليها، سالبةً أبسط حقوق المواطن في بلده: الحق في الحياة، الحق في حرية الرأي والتعبير، الحق في التظاهر، دعك عن الحق في التمثيل والتنظيم السياسي. ففي: "مجتمعات يُشكّل الغياب الشبحيّ لأجهزة الدولة وأدواره الوظيفية فيها، أو غيابه الكلي الناصع عن بعض سياقاتها، تتحول الدولة من جهاز يحتكر العنف إلى عنفٍ مُجَسَّد ومُشَرعَن ومُشَاع بلا جهازٍ أو سيادة. إن الدولة هي جسدُ العنفِ العاري والمُدَجَّن، وليس أداته الوالغة مع غيلانه الضارية في لعق دمائها فحسب".[3]

تداعى جسد الدولة وانحلَّ بفعل الفساد وتدمير البنى التحتية الإنتاجية وإفراغ المؤسسات من الكفاءات، وصارت مِسخَاً جابياً للضرائب ومقيّداً للحريات لا غير، وبقوة السلاح. لذا كان الأمل الذي مثَّلته بيانات تجمع المهنيين، والرؤى المُقَدَّمة من أعضائه والمنشورة في أوراقٍ بحثية، والنقاشات التي انتظمت وسائل التواصل الاجتماعي حول شكل الدولة المنشود في أجهزته المختلفة: القضائية والبرلمانية والتنفيذية. وبعدها الإعلان المطروح في الأول من يناير (إعلان الحرية والتغيير) - كان الفيديو المسجل الذي تلا فيه القيادي في التجمع محمد ناجي الأصم بنود الإعلان بتؤدة ويقين الشجاع، لحظة مفصلية في أطوار الثورة وتحوّلاً مؤثّراً- وبنوده التي تواضعت الأحزاب والحركات المسلحة وبقية الأجسام والمنظومات الثورية ومنظمات التجمع المدني على التوقيع عليها للعمل على إسقاط النظام القائم حينها، كان ذلك الأمل بَهيَّاً.

إضافة إلى ذلك، فقد كان التجمع حاثَّاً وباعثاً لفكرة تشكيل أجسام أخرى للمقاومة، مثل (لجان مقاومة الأحياء)، وهي، وإن وجدت في مناطق بعينها قبل تجمع المهنيين السودانيين، إلا أن انتشارها وتوسّع وجودها ارتبط بطلبه، خلال أيام الثورة، من الفاعلين تنظيم أنفسهم في جماعات صغيرة محكومة برابطة المكان، والتي تطوَّرت لاحقاً وصارت تمثيلاً قاعديَّاً متغلغلاً في أبسط أشكال الاجتماع البشري، وأعمق بنى الجَمَاعة، وهو التكوين الذي ظهرت قيمته بعد انتقال الثورة إلى الأحياء، كما استبانت ووضحت لاحقاً في سني الثورة اللاحقة والراهنة في هذه اللحظة.

اتصال/مشابهة: الشكل التنظيمي القائد للثورة

وجد تجمع المهنيين شبيهه في خبرة السودانيين السابقة، إذ يذهب الكاتب والباحث مجدي الجزولي إلى مقارنته بمنظمات سودانية سابقة، مثل (الجبهة الوطنية المتحدة) القائدة لثورة أكتوبر ١٩٦٤م، و(اتحاد نقابات العمال) التي لعبت دوراً محورياً في انتفاضة أبريل ١٩٨٥م، هذا الشبه راجع لكون (التجمع) يمتلك "ميزة مزدوجة، فكان من جانب مظلة نقابية طموحة، ومن جانب آخر قوة سياسية، وقد أثبتت هذه الخاصية المزدوجة نجاحها".[4]

بينما تؤرخ عزة مصطفى لنشأة تجمع المهنيين السودانيين، بادئة بتاريخ التنظيمات النقابية في السودان لأن التجمع كما يُعَرِّف نفسه "امتداد لتاريخ طويل للمهنيين السودانيين ومحاولات لم تستمر بسبب تضييق السلطة وحرمان المهنيين من حق التكون النقابي"[5]، ثم تَصِف بنيته واللجان والجمعيات والتجمعات المُكَوِّنة له، والخاضعة لميثاقه وأهدافه المشتركة المعلنة في (29 يوليو 2018م) وهي: "لجنة الأطباء المركزية، نقابة أطباء السودان الشرعية، تجمع أساتذة جامعة الخرطوم، لجنة مبادرة استعادة نقابة المهندسين، رابطة البياطرة الديمقراطيين، والمحامون الديمقراطيون، وانضمت لاحقاً شبكة الصحافيين السودانيين ولجنة المعلمين"[6]، (نضيف من عندنا ما أغفلته الكاتبة: الدور الكبير الذي لعبه تجمّع التشكيليين السودانيين، والذي انضمّ للتجمّع، في تصميم ورسم جميع بوستراته، وقد انتشرت أعمالهم الفنيّة في كلّ بيت). وعن تحول التجمع من المطالبة بالحقوق النقابية للتعبئة السياسية تقول الباحثة إن "أهداف التجمع، عندما تأسس، هي تكوين تجمع يحظى بالثقة لقيادة المعارضة عِوضاً عن الأحزاب التقليدية، وإيجاد بديل للنقابات الرسمية التي يسيطر عليها النظام، فضلاً عن إيجاد أداة لتنفيذ العصيان المدني والإضراب كوسيلة سلمية للتغيير السياسي"[7]، كما ساهم القمع العنيف والتقتيل الذي واجه به النظام المتظاهرين في الأقاليم، وبعدها في مواكب الخرطوم، في تغيير الخطاب، من نقابي حقوقي، إلى سياسي يطالب بإسقاط النظام[8]

أما الكاتب والباحث معز الزين فيرى أن هذا الشبه بتجارب تنظيمية قديمة أقرب إلى التوهّم منه إلى الحقيقة، وأنه شبه لا يأخذ في الاعتبار "اختلاف السياقات التاريخية والتحولات البنيوية التي ظلَّت تُحدِثُها عملية إعادة إنتاج علاقات القوة والهيمنة"[9] مرجعاً ذلك الشبه المتوهم إلى محاولات بعض الأكتوبريين والأبريليين التفكير في ديسمبر في "سياق استعادي رومانسي يروم البرهنة على أن الثورة الشعبية هي خصيصة بنيوية مُلازِمة لمراحل انتقال الدولة السودانية منذ الاستقلال، مُمعنين في تبجيل إرث أكتوبر أبريل، ووصلِهِ بالحدث الثوريّ الراهن، على ذلك النحو الذي يدفع البعض منهم إلى المضاهاة والمقارنة بين (جبهة الهيئات) و(التجمع النقابي) و(تجمع المهنيين)."[10]


انفصال/مباينة: تحولات في المجال الاجتماعي والاقتصادي للدولة (تآكل الطبقة الوسطى):

نعني بالطبقة الوسطى تلك الطبقة التي حازت على قدرٍ من التعليم يؤهلها لشغل وظائف الدولة في شتى مستوياتها، وقد ساهمت سياسات الإنقاذ في إفقارها وتجريدها من امتيازاتها الاجتماعية والاقتصادية، وذلك عبر سياسة التمكين والإحالة للصالح العام وتفكيك المشاريع القومية؛ فـ"بفعل سياسات التمكين الإسلاموي واللبرلة والخصخصة، فَقَدَت الطبقة الوسطى قوامها الاجتماعي-الاقتصادي المُتَمَاسك الذي كان يُعبّر عن واقع فئاتها المهنية، لتصبح فئاتها فقيرة نسبياً وبلا قوام"[11]. أو في رفدها بأعداد هائلة من الوافدين إليها، وذلك عبر سياسة التعليم العالي وانتشار الجامعات في شتى بقاع السودان، هذه السياسات المتناقضة أفقدت الطبقة قدرتها على الفعل السياسي إلى حدّ ما.

فـالطبقة الوسطى، كما يرى الكاتب بهاء الدين محمد، كانت "هي الفاعل الأساسي في ثورتي 1964 و1985. وكانت تمثل 20% من تعداد السكان الكلي آنذاك، وهي التي كانت تسيطر على الوظائف المدنية في الدولة وفي الشركات الكبرى للمنتجات الغذائية، وهي ذات الطبقة التي كان أبناؤها أكثر حظوة في التعليم. ومع بدايات النظام الساقط، ومع انفجار التعليم العالي الذي انتهجه النظام، تم فتح جامعات في مناطق عدة بالسودان، ودخلت الشرائح الفقيرة والمهمشة ضمن العملية التعليمية، وتم رفد الطبقة الوسطى بدماء جديدة من إثنيات ومناطق مختلفة، فاتسعت هذه الطبقة أكثر فأكثر ثم ازداد تعدادها"[12]

يُفَسِّر مجدي الجزولي أسباب تآكل الطبقة الوسطى، ويبين الفرق بين تجارب (الجبهة الوطنية المتحدة) و(اتحاد نقابات العمال) وتجربة (تجمع المهنيين السودانيين) فيقول إن الاختلافات "الحرجة في المحتوى، تتجاوز التشابه في الشكل بين هذه المنظمات، مثل (المجال الاجتماعي والاقتصادي) الذي عملت فيه المنظمتان الأوليتان، فقد كانت فيه الحكومة هي رب العمل الأكبر للمهنيين المتعلمين الذين سعوا إلى تحدّيها من خلال الإضراب والتعبئة الشعبية، كما كان بمقدور كلتا المنظمتين الاعتماد على دعم المنظمات العمالية الثورية، وفي مقدمتها (اتحاد عمال السكك الحديدية السوداني) المتمركز في موقع استراتيجي قادر على شلّ الاقتصاد القائم على المحاصيل النقدية، فيما أدى الاختراق الرأسمالي الذي قام به النظام السابق إلى تحويل سوق العمل في السودان لصالح المشاريع التجارية، إضافة لأن المنظمتين السابقتين كان بمقدورهما إثبات مزاعمهما التمثيلية من خلال الإجراءات الانتخابية في النقابات والجمعيات المهنية".[13]

فيما يرى معز الزين بأنه لا يمكننا أن نصف هذه الثورة بأنها (ثورة طبقة وسطى)، ويَعِدّ ذلك تصوراً "بعيد المنال ولا يلامس العصب الحي لجسد الحراك. وذلك نظراً للتحولات التي طالت بنية الطبقة الوسطى وقوامها، منذ تشرذم وتفكّك القطاع العمومي (الدواوين الحكومية، هيئات التشغيل العامة -السكة حديد، النقل النهري إلخ- المصانع القومية -مصانع الغزل والنسيج-، مشاريع الزراعة القومية -الجزيرة، إلخ- والمدارس والجامعات القومية -خور طقت، حنتوب، جامعة الخرطوم، إلخ)، ومن ثم انمحق قوامها من "فئات مهنية" إلى فئة واسعة شبه فقيرة بعد أن فقدت امتيازاتها الاجتماعية والثقافية بتدهور أوضاعها الاقتصادية، كفئات الخريجين العاطلين عن العمل، ومن شرّدتهم سياسات الخصخصة والتمكين الإسلاموي، وهي من أكثر الفئات التي كانت تغذّي العمل السياسي الحزبي والحركة الثقافية طوال العهود الأولى من النصف الثاني من القرن العشرين. لقد تحوَّلت الطبقة الوسطى، في ظل هذه التحولات البنيوية في علاقات القوة، إلى (كيان فئوي. تمثيلي) فاقد لقوام امتيازاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية"[14]، مضيفاً بأن تمثيل قيادات (تجمع المهنيين السودانيين) للطبقة الوسطى هو "تمثيل كياني. فئوي، بحكم قطاعاتهم المهنية. الحزبية، وليس طبقياً-نقابياً، بحسبان الافتقار للقوام البنيوي المتماسك، اقتصادياً واجتماعياً، والذي كان يمكّنهم سابقاً من التعبير عن موقفهم السياسي من خلال مواقعهم التي يشغلونها في حلبة الصراع الاجتماعي حول المصالح والامتيازات"[15].

فيما يوضّح بهاء الدين محمد أثر تفكك الطبقة الوسطى على وسائل الحراك السلمي، وكيف أنه: "كان من الصعب إعادة تجربة ثورات 1964 و1985م التي أسقطت تلك الأنظمة عن طريق العصيان المدني الشامل".

 وبالفعل، فقد عجز (تجمع المهنيين السودانيين)، لأسباب تنظيمية، عن إنجاز إضراب عام ناجح، وعصيان مدني شامل قبل سقوط البشير، وإن نجح في ذلك في أيام الاعتصام بالقيادة العامة، عندما تم توظيف الإضراب لإجبار المجلس العسكري، وقتها، سواء على العودة إلى طاولة المفاوضات أو الرضوخ لمطالب تفاوضية معينة، وكذلك في الأيام الأولى بعد فض الاعتصام. وكلا النجاحين يرجعان لأسباب غير تنظيمية، ويعبّران عن تطلّعات الشعب وغضبه على التوالي، أما قبل تنحية رئيس الحكومة المخلوع عمر البشير؛ فإن التجمع نظَّم إضراباً في بعض قطاعات الدولة يوم 5 مارس 2019،  لكنه لم يُكلَّل بالنجاح التام، وهو ما يشير إليه ويبحث عِلله بهاء الدين محمد، ويقول بأنه "كان من ضمن جدولة الثورة وقفات احتجاجية وإضرابات جزئية، جزء منها كان ناجحاً إلى حدّ ما، والآخر فاشل. هذا التجريب عرَّض مجموعة كبيرة من الموظفين المنخرطين في الثورة أو المتضامنين معها لحالات فصل تعسفي وإنذارات بالفصل، إذ كان تجمع المهنيين السودانيين يحاول أن يضمن ولاء موظفي الدولة والشركات الخاصة لكي يكرر تجربة 1964 و1985، وينشط السلاح الأخير له وهو العصيان المدني الشامل. ولضعف بعض الوقفات الاحتجاجية والإضرابات الجزئية، وبطء تنسيق التجمع في خلق نقابات أخرى غير المُكَوَّنة سلفاً كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، القيام بعصيان مدني شامل وتحققه بشكل ناجح"[16].

وهذا العجز عن استخدام تكتيك الإضراب العام والعصيان المدني الشامل قبل سقوط البشير كان مُسبّباً للجوء المباشر للقيادة العامة للجيش والمطالبة بانحيازه للشعب، وفيما بعد الاعتصام حول مباني القيادة العامة[17].


اتصال/مشابهة: الخطاب القديم

 يتحدّث مجدي الجزولي عن خطاب تجمع المهنيين، واصفاً إياه بـ"الخلو من التوجه السياسي القائم بذاته"[18]، وإنما هو خطاب "يتحدث بلغة وظيفية عالمية من الحريات والحقوق التي يستحقها كل مواطن، ويَعِد بالخلاص من براثن الاستبداد"،[19] وتأتي نواقص ومثالب ذلك الخطاب -حسب تحليله- من كونه "مُستَلاًّ إلى حدّ كبير من التراث القومي للـ(أفندية) السودانيين، القائم على آيديولوجية العمل لطبقة ضيقة من السودانيين المتعلمين، ومعظمهم من المسلمين الناطقين بالعربية ومن حوض النهر، الذين خدموا ككتبة وإداريين صغار تحت الحكم الاستعماري الأنغلو-مصري، ومن ثم ورثوا تلك الدولة الاستعمارية"[20]، مفسراً استخدام هذا الخطاب القديم في اللحظة الراهنة بأنه "مناورة خطابية، تهدف إلى إحياء فكرة التماسك الوطني من الماضي المُتَخيَّل. إلا أن هذه القومية الشعرية، لكن الضيقة، لطبقة الأفندية هي بالضبط التي فشلت في تخيل مُوئِل سياسي لكثير من شعوب السودان، وهي التي تتحمل المسؤولية عن سقوط السودان المعجل في حروب أهلية مستعرة في أعقاب الخلاص من الاستعمار"، وواصفاً هذا الخطاب التعبوي بأنه مجرد "تعتيم على الصراع السياسي من خلال تمجيد الأمة، وهي وظيفة دقيقة، حيث مكَّن قوى المعارضة المتنازعة على الدوام من ركوب موجة المشاركة السياسية الجماهيرية، التي ولَّدها تجمع المهنيين السودانيين"[21]، وهو ما حدث حقّاً لاحقاً بعد توقيع تحالفي المعارضة (نداء السودان) و(قوى الإجماع الوطني) إضافة إلى فصيل من (الحزب الاتحادي الديمقراطي) على (إعلان الحرية والتغيير) الصادر عن (تجمع المهنيين السودانيين).

يستغرق بعدها الباحث مجدي الجزولي في تأريخ لتَكَوُّن تحالفات المعارضة وانقساماتها حول "الاستراتيجية والتنافس على القيادة"، ليخلص إلى أنه "لا عجب إذن من أن ظهور تجمع المهنيين السودانيين، الغامض إلى حدٍّ ما، قد قُوبِلَ باستحسانٍ شعبيّ في مسرحٍ سياسي مليء بالمشاحنات المستمرة"[22]، فقد "أَسَر (التجمع) مخيلة السودانيين السياسية على شبكات التواصل الاجتماعي، ولعلّ نجاحه بشكل خاص في أوساط الشتات السوداني خير مثال على ذلك؛ حيث كان التجمع بمثابة الملاذ والوسيلة بالنسبة إلى شرائح واسعة من الشابات والشبان الراغبين في عيش هويتهم السياسية التي يحلمون بها كمواطنين سودانيين"[23].

لكنه يشير بعدها إلى عجز صاحَبَ تجربة تجمع المهنيين، وهو أنه بحكم تكوينه، لم ينجح في: "التعبير عن هموم ومصاعب مزارعي الكفاف في السودان وصغار الفلاحين والعمال الزراعيين، والعديد من عاملي المناجم الذين ينقّبون عن الذهب في الصحاري والوديان البعيدة، والمنتجين الصغار والفقراء في المدن"[24].


اتصال/مشابهة: النجاح الجزئي في إسقاط النظام القائم:

 إجابة عن سؤالين هما: كيف ولماذا نجح (تجمع المهنيين)؟، يقول مجدي الجزولي: "والحال أن أحد أسباب نجاح تجمع المهنيين السودانيين، باعتباره وسيلة للتعبئة السياسية، هو براءته السياسية المُتَصَوَّرة كما كانت، فالشباب والشابات الذين يستجيبون لدعوات تجمع المهنيين السودانيين إنما يفعلون ذلك لأنه يعكس غضبهم ضدّ الفساد الراسخ والمحسوبية وعدم الكفاءة، وكذلك سخطهم على إخفاقات الطبقة السياسية عموماً، سواءً أكانت في الحكومة أم في المعارضة"[25].

أما الباحث قصي همرور فيصف تجمع المهنيين السودانيين بأنه كان "جسماً مناسباً انتَخَبَته الظروف والطموحات الشعبية الحالية انتخاباً سَلِسَاً، بقوانين الحراك التاريخي، ليكون مُكبّر صوت وعروة جبل، ومظلة استراتيجية لقوى التغيير في فترة مصيرية، تتخذه لترجمة أشواقها وتنسيق جهودها، فمن الثقة فيه استمدت الجماهير الكثير من طاقتها وعزمها، وأنه صار واجهة تاريخية لتجلّي الدعم الجماهيري الواسع لإرادة التغيير، وهو الشرط الثاني لقيام ثورة شعبية". ثم يعزو انزعاج البعض من "ظاهرة تحلق الناس الغريب، الفجائي، حول تجمع المهنيين، لاعتياد هؤلاء على ممارسة النشاط السياسي المألوف، غير المُبتَكر"[26].


 


[1] بهاء الدين محمد (أنطولوجيا ديسمبر الجليل)، مجلة (الحداثة السودانية)، سبتمبر 2020

[2] شمس الدين ضو البيت، مرجع سابق

[3] معز الزين، مدون ميداني ومترجم، (القوس والزهرة)، مجلة (الحداثة السودانية)، مرجع سابق

[4] مجدي الجزولي (قوى الاحتجاج وقوى الردة)، مجلة بدايات، 2019

[5] عزة مصطفى الباحثة في قضايا الديمقراطية، الأحزاب السياسية والمجتمع المدني- (هذا هو تجمع المهنيين السودانيين)، بدايات، مرجع سابق

[6] عزة مصطفى، مرجع سابق

[7] عزة مصطفى، مرجع سابق

[8] محمد ناجي الأصم، مقابلة مع قناة العربية، بثت في (........).

[9] معز الزين، ، مرجع سابق

[10] معز الزين، مرجع سابق

[11] معز الزين، مرجع سابق

[12] بهاء الدين محمد، مرجع سابق

[13] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[14] معز الزين، مرجع سابق

[15] معز الزين، مرجع سابق

[16] بهاء الدين محمد، مرجع سابق

[17] بهاء الدين محمد، مرجع سابق

[18] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[19] مجدي الجزولي، مرجع سابق.

[20] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[21] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[22] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[23] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[24] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[25] مجدي الجزولي، مرجع سابق

[26] قصي همرور، وهو باحث وكاتب سوداني متخصص في مجالات التنمية التقنية، "متى تثور الشعوب: السودان كحالة"، مجلة الحداثة، مرجع سابق

00:00 / 00:00
الثورة في حِلّها وارتِحَالها - مقالات | سِكَّة