انشغالات التجارب الشعريّة لجيل البشارة

انشغالات التجارب الشعريّة لجيل البشارة
سكَّة: الصادق يس
احتلَّت الكلمةُ دوراً محورياً في تحفيز السودانيين للانشغال الدائم بتحقيق الإجابة عن أسئلة الحريات والحقوق والديمقراطية وسيادة حكم القانون، من خلال توثيق مساحات تفاعل الفاعلين المجتمعيين والثقافيين والأدباء والفنانين في سِكّة السعي نحو الانتقال المدني الديمقراطي في السودان.
سنتعرَّض لدور الشعراء وإنتاجهم في الإجابة عن أسئلة المستقبل للسودانيين، باستعراض عددٍ من التجارب الشعرية المُحَفِّزة لسردية السودانيين ومُشهادهم.
الشاعر أحمد ماهر
(1)
عن ارتباطات الفنون والثقافة بحياته الشخصية، يقول الشاعر السوداني الشاب أحمد ماهر، إن عن انه كتب في وقت سابق سِفراً يوثّق فيه ارتباطه بالفنون والثقافة، وتأثير الفنون على حياته الشخصية ضمن ارتباطات عديدة ومختلفة ومتنوعة. وعدَّ هذا الحوار "فرصة كريمة" للمراجعة من ناحية "واقعية وثورية"، وأيضاً من ناحية "مشروعاتية" لمأسَسَة مُكتسبات الثورة السودانية – حسب تعبيره.
يقول أحمد ماهر إن "الفنون في الحياة السودانية، البسيطة والمُعَقَّدة في تركيبتها المُتَجَانِسة والمُتنازعة، أوجد عقلاً جمعيّاً مفكراً، استفاد من حركة التطور العصرية في الأدوات والوسائل ووظَّف القيم المطلقة باعتبارها حقاً فردياً سودانياً متميزاً، وعنصراً بشرياً إنسانياً واعياً ومتصلاً بالوجود الإنساني" ضد ما أسماها "الشمولية الآيديولوجية المتطرفة الباطشة بالإنسان وقيمه والوطن ومقدراته".
ويُوضِّح ماهر أن ارتباطه الإنساني والشعوري والفكري والثقافي والسياسي والأكاديمي والاجتماعي والعملي تعريفه بأنه "شاعر"، مستدركًا: "ولعمري ما الشعر كلمات تُكتَب وتُنطَق خالية من المعنى والفكرة والإحساس للذيوع المصطنع للمنتوج الإنساني التعبيري في أرقى درجات سموه".
ويسرد ماهر ما يشبه حواراً بينه وبين والدته "علوية" (معلمة محو الأمية)، إذ يقول لها: "يُمّا.. بتكلم بحس مافي زول فاهمني؟ أعمل شنو؟"
فتجيبه: "اكتب!" ويتذكر إلى الآن نظرتها وهي تدله على الحل في كلمة واحدة. ويضيف: "فأصبحت الكتابة سلاحي وملاذي".
ويشير الشاعر الشاب أحمد ماهر إلى أن بداية تجربته الشعرية كانت في جامعة أم درمان الأهلية أو "مفخرة الوعي السوداني" (الكائن الغريب) حسب ما يسميه أحد أبناء الجامعة وأساتذتها وعميدها الأستاذ ناصر ياسين. ويضيف ماهر: دوَّنتُ في الكتاب المشروعة دفتيه للتحبير: (الأهلية .. حياة كاملة): "الأهلية والعربيد، وحكاية عنفوان، ورأي الغنائية، ومنتدى الشارع، والحركة الشعرية قيادة جماعية أفقية، وجمة حشى المغبون، ومنتدى ربيع عبد الماجد، ومسرح وبيت محجوب شريف".
ويلفت الشاعر الشاب إلى أن "التنوع الكثيف للحضور الثقافي في المجتمع السوداني، والضمير اليقظ الحي المزروع لحناً ومسرحاً وشعراً ورسماً ونحتاً وسرداً وقصة ورواية، مشبوب بروحانية متصوفة وطبيعة خلابة، جعل من المجتمع السوداني (حائط صد) ضد التطرف والعنف والاستبداد وإهدار الحياة"، منوّهاً بأنه عَبَّر عنها بكل شجاعة وإيمان مطلق وتضحيات عظيمة ستثقلهم –حملة الأقلام– لـ"التعبير عنها وتمجيدها أنَّى كان لنا المقام، حفتنا بقيمها: الحرية والسلام والعدالة".
وعن التجارب الشعرية والبيئة التي ساهمت في تكوين تجربته الشعرية وتجربة جيله وتطويرها، يوضح الشاعر الشاب أحمد ماهر أنه تعرَّض للتجارب الشعرية العربية في نشأته، من أمثال: أحمد مطر، وفاروق جويدة، ونزار قباني، وإيليا أبو ماضي، ومحمود درويش، وكريم العراقي، ونازك الملائكة، وغسان كنفاني، ومظفر النواب، والأبنودي، وكل "الأسماء التي خلَّدت وجودها في الذاكرة الشعرية والإنسانية" – حسب قوله. ويضيف: "إلا أن قصيدةً واحدةً كانت دائماً محفوظة وحاضرة في ذهني منذ أن كان عمري تسع سنوات: (يا شَعْبنا، يا والداً أحبَّنا) لمحجوب شريف، والتي غَرَسَها فينا –أنا وإخوتي– والدي الأنصاري النبيل والشاعر المهاجر والمناضل الأغبش، الذي سِرتُ إلى جانبه، كتفاً بكتف، بعد كل هذه السنين في شوارع الثورة، من أم درمان إلى كلّ بقعة في السودان".
ويزيد أحمد ماهر قائلاً عن ارتباطه بمحجوب شريف: "شاركت على مسرح محجوب شريف في بيته بعد وفاته بقراءة من ديوان (عنفوان) عدداً من النصوص، برفقة صديقي أ. عبد الرحمن عبد الفضيل، الشاعر والمحاور الحصيف والمثقف، وحضور إيمان آدم والأب الأستاذ والمربي أزهري محمد علي، وكنت أظنني حينها ضيفاً في حضرتهم، جاء يستقي دفق معانيهم قبل أن يستدعوني إلى المنصة". "علَّق الأزهري حينها بأن مصطفى سيد أحمد لو كان حاضراً لبعث في ما كتبنا لَحنَهُ وصَوتَهُ. ومنذ ذلك الحين أصبح الشعر جلي وما تبقى مني للشعب" – أردف ماهر.
(2)
"في مشهد عجائبي فوق رمال عكاظ بكردفان الغرة وعروس الرمال (مدينة الأبيض)، ولبها (خور طقت) وإنسانها المتفرد، شاهدت شاعراً كونياً غطَّى الشيب رأسه، لكن قلبه شاب ينضحُ في أرواحنا وعقولنا نيل الكلمات الشعرية السودانية الخالصة والمُخلِصة، والوجد الوطني الدفَّاق"، كان (أزهري) الذي غطت كلماته جدران الممرات وغرف الطلاب ومساحات النشاط كتابةً، وها هو يتجلى صوتاً، بشحمه ولحمه وأناقته المعهودة وبساطته المهيبة" – قال أحمد ماهر عن الشاهر أزهري.
وعاد ماهر بذاكرته إلى يوم استشهاد طالب الطب محجوب التاج إبان اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، قائلاً: "تجمَّع الشباب في شارع المطار أمام مدخل بيت الشهيد. كانوا يافعين ملؤهم الحزن والغضب والشجاعة، وينقصهم التعبير؛ فتحوا هواتفهم وأخذوا يهتفون بكلمات (أزهري)". ويضيف: "أزهري الواقف على مسرح ميدان الاعتصام أراقبه من على البعد هذه المرة، ومن العمق كلّ مرة". ويتذكر ماهر وصية أزهري خلال مشاركته في فعالية لطلاب وطالبات الطب بجامعة الخرطوم بأن يهتموا –هم الكتاب– بالشعر الغنائي، وبأن لا تفارق كلماتهم وعيهم وسلوكهم وقضيّتهم ليكسبوا "الاتساق". ويتابع قائلاً: "فجلال القصيدة حضورٌ طبيعيّ عندما ينطق أزهري، وجمال الوجدان عميم عندما يسير بها الوجدان، وأنَّى للسودانيين ألا يكون في ثورتهم مثله، ولا تتسم بكل هذا الألق؟!".
ويرى أحمد ماهر جيلهم –من الشعراء– محظوظاً بجيلٍ من "العظماء"، واصفاً جيله بأنه "جيل الانتصار على بؤس الزمن". ويوضّح: "جايلنا محجوب شريف وأزهري محمد علي وحميد والقدال ومحجوب كبلو والفيتوري ووهيب بكري وعثمان بشرى ومصطفى سند وعبد القادر الكتيابي وهاشم صديق وعمر الممكون وإبراهيم النايل، ومن تبعهم بجمالٍ فريد: عاطف خيري وبابكر الوسيلة وحاتم الكناني ومأمون التلب وبدر الدين صالح عيسى، وذاكرة محتشدة من الأسماء التي ينوء عن حملها تاريخ النقاد القادم".
ولأن جيلهم نهل من هذه "الأنهار العذبة" –على ما يقول الشاعر الشاب أحمد ماهر– فهو لا يرى غرواً أن يلتمع فيهم: بشير أب سن ومحمد الشيخ ومحمد عبد الباري وهاني إسماعيل الرحَّال وراشد محمد عبد الوهاب ومحمد عبد القادر موسى وراني فرح ومبشر الجبل ومحمد المؤيد المجذوب وأحمد اليمني وأمجد إسماعيل ومعاذ عوض وعثمان جبرة ومحمد المظلي ومحمود ود الخاوية (رحمه الله) –والذي أطلق عليّ لقب "الفيتوري الصغير"– وعديد الأسماء التي قال إنها لم تقتصر على الشبان وحدهم، لافتًا إلى أن من ضمن من "لمعن في مجالسهم ووجدانهم": وئام كمال ومحاسن جفون وبهيثة عثمان وريتا صابر ومكارم جميل ومرفاء، وعلا جمال (الأنثى القرنفل) وتبيان أب سن وإيمان متوكل وغيرهنّ كثير. ويضيف أحمد ماهر: "السودان بلد الشعراء والشاعرات والشعر فينا كالماء والهواء".
(3)
وعن علاقة الفن بقضايا التغيير، يقول الشاعر الشاب إن "التجارب الشعرية غَدَت مشاريع، والشباب اليافعون أصبحوا رموزاً شعرية وأدبية وفنية تجاوزت جذورُها سماء السودانوية إلى سماوات إنسانية بديعة، يستقي منها المشرق والمغرب وتَرَاجِم لغوية وموسوعية"، لافتًا إلى أن "ذلك ليس شعراً فحسب؛ فالقصة حاضرة بأشكالها وأقلامها، من أمثال: وقاص الصادق وموافي يوسف وعثمان الشيخ، وللرواية حضور كثيف متمدّد من أمثال: منجد باخوس وحسن بكري، والفنانون من أمثال: عمار عبد الله وماهر علي وعبد العظيم عبد الباسط وأبو عرب ومحمد أبّو والشاب أمير وتسابيح (بيحة) ومصعب الجزولي". "القائمة الفريدة تطول لجيش من الشعراء والفنانين والكتاب والمثقفين الذين يحملون راية من سبقهم في امتداد طبيعي لثراء الوجدان السوداني" – يضيف أحمد ماهر.
يقول ماهر إن "إرادة الشعوب يوقدها مُلهِمُوهَا من الشعراء والفنانين والمسرحيين ورجال الدين الصالحين ورجال الثقافة والصحافة والسياسة ورجال المجتمع والمعلمين"، مشيرًا إلى أن للفئات المتعلمة "قصب السبق في المسؤولية التاريخية". "هذه السردية المتسعة من التأويلات تحتاج إلى الثقافة كقاعدة اجتماعية يُبنى عليها الوعي بقبول الآخر والحوار الهادف" – أردف ماهر.
(4)
وعن ذكريات ميدان "اعتصام القيادة" وما مثَّلته من فضاء رحب للفنون والثقافة، يقول الشاعر الشاب أحمد ماهر: "كنت أعيش القصيدة السودانية في كل حركة وسكنة، في خيمة حميد، وخيمة مصطفى سيد أحمد، وجدارية محجوب شريف، في ميدان المفوضية وفي أشعة، وفي كل تفصيلة مؤرشفة لـ(57) يوماً حية دائماً وأبداً في وجدان كل سوداني تذوَّق واغترف وعَرِف فلزم شعبه وأرضه وتاريخه". ويضيف: "لم يكن أحمد ماهر سوى قطرة في نيل بشري فني وشاعري، فاضَ وتَجَمَّع".
سألنا الشاعر أحمد ماهر عن رأيه في تجربة استحالة القصائد إلى أهازيج ثورية بأداء مسرحي جماعي، وكيف يرى معايشة القصائد في فضاء جماهيري واسع، فأجاب بأنه يراها: "متجددة، وعجيبة، وغنية، وأكثر شاعرية من وجدان أي فنان، مبلغ التلاشي والذهول الجمالي في حضرة الحياة بمعانيها ورسومها وإنسانها وأدواته حتى انتَفَت المسافة الفاصلة بين الـ(أنا) والـ(نحن)".
ويرى الشاعر الشاب أحمد ماهر أن الاحتفاء بالموت والحياة والإنسان والشعور والحس والعاطفة والفكر والقيم والتجربة والثورة، كله "احتفاء وجودي لا ينفصم"، إلا أن (أدب المأساة) يعبر –بحسب ماهر– عن "الواقع المأساوي كأدب واقعي"، مضيفاً أن "أدب الثورة –إن جاز التعبير– أدب فنتازي حالم ومفارق للواقع من حيث التوق والرغبة، ومتصل بـ(حركة الغبار اليومي) بتعبير أزهري لوصف الحركة الجماهيرية عموماً". ويردف ماهر: "ومن هنا (نقطة التقاء الواقعي والتخيلي، والمأساوي والحالم، والجماهيري والثوري) ينبع الإلهام".
وعن دور الشعر في التصدي لقضايا الشعوب، يقول ماهر إن "الشعر كان وكائن وسيكون دائماً هو الحارس الأول لقضايا الشعوب".
ويناقش ماهر قيمة "القضية" في التجارب الشعرية، بقوله إن المسألة جدلية منذ بداية الشعر والتدوين، وسيستمر، إذ يرى ماهر أن النقاش بشأن القيمة الفنية يدور حول قيمة موضوعية، والقضية الإنسانية بأبعادها الشخصية والعاطفية والوطنية والدينية وكل تفرعاتها ووجوهها تحتاج إلى "وعاء فني يحتويها ويقدمها ويناقشها وجدانياً وفكرياً" – حسب قوله.
ويستشهد ماهر بإجابة زرياب أزهري –رحمه الله–عن هذا السؤال قبل ثورة ديسمبر بأن "أزمتنا (أزمة متلقي)، الشريك الآخر للنص والإبداع".
(5)
يرى ماهر أن الحركة النقدية هي التي تحدد اتصال التجربة الشعرية بالقضايا أو انفصالها عنها، فالنقد بمفهومه وأدواته يساهم في تطوير التجارب الشعرية والتنقيب في جمالية النص الشعري وأصالته الموضوعية (البويطيقيا) –بحسب ماهر، وهو خاضع –حسبه أيضًا– للمساحات الجديدة للإبداع السوداني في المجتمع والسياسات والقوانين والمؤسسات التي ترعى وتُنَمِّي وتحتفي وتُبرِز وتحمي الإبداع والمبدع معاً في حِرَاكِهِ وتأثيره.
يقول ماهر إن الأوضاع الحالية في السودان "لا غنى لها عن الأدب والشعر والفن عموماً لمعالجة الاختلالات المتوارثة والحديثة في بنية الوعي، وبثّ روح جديدة تخلق الحلم المشترك وتُحصّنه لاستقرار آني ومستقبل مشرق يزيل الوجه القبيح للفشل والخراب".
ويستشهد ماهر بنص من ديوان "عنفوان" 2016 يقول: "أشعليني إطاراً مثقوباً.. بشارع القصر المُهاب"، قائلًا إن الارتباط بين هذا النص والحراك الجماهيري الثوري اللاحق له، جعل "الإحساس شعرة بين الخيال والواقع، وبينهما لا يجد التأويل مقعداً" – حسب قوله.
ويرى ماهر أن "ثورة الأدب وتفاعل الجماهير مع الأدب الثوري أنتج الثورة الشعبية". ويشير إلى أن "عملية التثوير المفاهيمي للمكونات الاجتماعية من صميم عمل الأدب التقدمي والمتطلع إلى غد أفضل". فالتعبير –باعتقاد ماهر– يسبق التغيير والتثوير سبيل الاستنارة الفكرية والشعورية – وفق تعبيره.
يزيد ماهر قائلًا: "في ظل هذه الجدلية والواقع الثوري والعصر الرقمي ومعطيات الحداثة، نحن موعودون بتأويلات غزيرة وكثيفة لأدب ما بعد الحداثة وما بعد الثورة". "التجارب الشعرية لجيلي جيل النصر.. مخاض وطني أنجب وسينجب المزيد من المبدعين والمبدعات الذين يغذون التجربة الإنسانية بكلياتها ودقائقها" – أردف ماهر.
الشاعر معاوية علي
(1)
يشير الشاعر الشاب معاوية علي إلى ارتباط الثقافة في مجمل حياة السودانيين بالتصوف عموماً، وبالحكايات القديمة وحجى "الحبوبات" والأساطير والألعاب القديمة التي تحمل في داخلها نسقاً موسيقياً وشعرياً، لافتًا إلى أنها شكَّلت جزءاً كبيراً من وجدان الشعراء. يقول معاوية إن الأصوات الموسيقية منذ زمن مراحل التنشئة الأولى هي التي شَكَّلت لديه اللبنة الأولى للكتابة، وتغلغل الشعر في الدواخل عبر القراءة للشعراء ومرحلة الكتابة للمحبوبة – حسب قوله. والشعر–في نظر معاوية– لا يحتاج إلى طريق يدخل به إلى حياة الشاعر، فهو مثل ضيف لطيف جميل الهيئة يأتي من دون ميعاد أو إذن مسبق. "عبر جميع هذه العناصر تشكل المفهوم العام للشعر لديَّ" – يضيف معاوية.
وفي علاقة الشعر بالواقع، يشير معاوية إلى زيادة الوعي بجملة من الموضوعات الفنية والأدبية في ظل تفتح الوعي السياسي في الجامعات، وظهور نمط من المقاومة في الجامعة. ويرى أن علاقة الشعر بالواقع "علاقة تَكَامُليَّة"، فالواقع وموضوعاته "جزء أساسيّ من تشكيل التجربة الشعرية للشعراء وللقصيدة" – بحسب معاوية. ويعتقد الشاعر الشاب أن ميلاد القصيدة في البيئة الجامعية "أكسبها نضجاً، وجعلها أكثر استيعاباً للواقع"، لافتًا إلى أنها "استحدثت أدوات جديدة لمسايرة منسوب الوعي المتفجّر في البيئة الجامعية". كل هذه العوامل أدت –برأي معاوية– إلى "تخلّق النص المقاوم والواعي ببواعثه والمتفاعل مع محيطه"، فضلاً عن تخلق مساحات للتعبير الحر خاصةً مع "تصاعد الفعل المقاوم في الحراك الطلابي في الجامعات"، مما أعطى الحركة الأدبية براحاً أكبر من أزمان الركود السياسي الذي غلبت فيه الرمزية على النص المُقَاوِم في الإنتاجات وحياة الشعر في الجامعات جراء تحكم السلطة وتقييد مساحات الكتابة – بحسب معاوية. ويوضح معاوية: "من هذا الواقع بدأ النص يتأثر بعوامل مؤثرة في نضوجه، فاصطحب موضوعات التحرر من القيود والموضوعات الشاغلة للرأي العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ودخلت القصيدة مرحلة صدامية مع الواقع"، مضيفًا أنها "صارت أكثر صدامية مع نضوج الحالة الاجتماعية وتفاعل الشارع السوداني مع فكرة الحرية والديمقراطية حتى غطَّت هذه الأفكار حيّزاً كبيراً في الإنتاجات والنصوص الشعرية".
(2)
يشير معاوية علي إلى المدارس الشعرية للشعراء محمد الحسن سالم حميد ومحجوب شريف والقدال وأزهري محمد علي، ويقول إنها خَلَقت تأثيراً كبيراً في الساحة الشعرية، وسَاهَمت في "تجذّر الثورة السودانية في الوجدان السوداني وفي اتجاهات الشعراء الشباب وتجاربهم واختياراتهم لموضوعات أشعارهم وميلهم إلى كسر القيود الرقابية"، مستشهداً بقول الشاعر أزهري محمد علي: "جيل بسلم راية لجيل".
التجربة الشعرية عموماً –عند معاوية علي– "تجربة متواصلة ومُتَسَانِدَة غير منقطعة عن تطوّرها التاريخي، والتجارب الشعرية السابقة"، فالحيوات الشعرية –في رأيه– مثَّلت ركيزةً أساسيةً في بناء تجارب جديدة. ويقول معاوية عن تجربة الشاعر أزهري محمد علي إنها "مشهاد لإرث شعري كبير ومُعايش" بالإضافة إلى تجارب الشعراء محمد الحسن سالم حميد ومحجوب شريف ومحمد طه القدال، والتي "شكَّلت بيئة حافزة لإنتاجات الشباب" –في قول معاوية. "ومن خلال تلك التجارب اقتطع الشعر حيوات جديدة للتفاعل المباشر ومعايشة النص للفضاء الجماهيري" أو ما عرَّفَه معاوية بمرحلة "تحليق النص وفضاء تفاعله"؛ سواء كان الفضاء هوى الشاعر نفسه واختلاجاته، أو النطاق السمعي للنص وخروج القصيدة من النطاق الخاص إلى الفضاء العام عند تجاوز النص الشعري الشاعر ووصولها إلى النضوج العام بنقل ملكية النص إلى الجمهور.
والشعر –عند معاوية– ليس مُلزَمَاً بالتصدي للقضايا العامة، لكنه "يكتسب حيويته في التفاعل مع الواقع المحيط". وفي حين ترتكز تجارب شعرية على قضايا محددة، يرى معاوية أن هذا لا يزيد التجربة الشعرية ولا ينقص من ناحية جزالة القصيدة وجودتها، فالشعر –في تصور معاوية– هو "إجابة عن الحالة النفسية للشاعر ونظرته إلى محيطه". ويوضّح معاوية أنه يميل إلى التجارب الشعرية التي تتفاعل مع قضايا الشعوب وتتصدى لها، ويراها "محاولة صادقة لعكس إحساس الجميع تجاه قضيّة محدَّدة، في مقابل نقل الأحاسيس والصور كقضايا سهلة الوصول". ويقول معاوية إن القضايا، في تجربته الشعرية، محرك رئيس ودافع في العملية الإنتاجية، ويظن أن ذلك هو الحال مع أنداده من الشعراء الشباب. ويعتقد معاوية أن الشعر منوط به الإجابة عن الحالة النفسية للشاعر وقراءاته وتصوراته لمحيطه.
في نظر معاوية، يحاول الشاعر دائماً "الإفلات من نسق الرمية"، لكن الشعر استحدث قوالب جديدة، خاصةً في زمن الثورة والحراك المجتمعي الجديد في السودان، واستحدث قواميس جديدة من المصطلحات تعالج موضوعات اليأس والأمل. ومع دخول الثورة إلى حيز التأثير في التجارب الشعرية تأسس "نمط جديد يحاول الانفكاك من الصورة الشعرية القديمة وتأسيس نمط وصورة شعرية جديدة بمفردات جديدة " – حسب معاوية، حتى مع تأثير ما أسماه "الواقع الظلامي الذي تخيم على مواضيعه الانتهاكات والفظائع باعتبارها واقعاً معاشاً للشعراء" مما دفع التجارب الشعرية إلى "الغوص في الصورة القديمة لأدب المناحة"، وجعلت الصورة الشعرية في أنساقها الجديدة أشبه بمحاولة الطفل المشي لأول مرة – وفق تعبير معاوية.
الشعر –عند معاوية– هو دائماً محاولة تأسيس لروح جديدة ونمط جديد لاستئصال داء عضال مُستعصٍ. ويعرض الشاعر الشاب إلى تمظهر هذه النزعة في الإنتاجات الشعرية المعايشة في الثورة الفرنسية، وإلى تجربة فولتير الذي حاول صياغة روح جديدة للمجتمع الفرنسي – وفق معاوية. وعلى الصعيد السوداني، يرى معاوية أن النموذج الشعري لمحجوب شريف "كَثَّف الحياة اليومية للسودانيين وتفاصيلها"، لافتًا إلى أن "الشعر من أرقى الإنتاجات الإنسانية" إذ يطرح تساؤلات لإصلاح المجتمعات، ويجيب عنها ويؤسس لفكرة الاختلاف ويرسخ قيم العدالة والحرية – حسب معاوية. ويضيف معاوية: "ساهمت ثورة ديسمبر في تكوين نمط تجريب شعري جديد لجيل عانى من انتهاكات نظام قمعيّ يتغذى على إرهاب المجتمعات، ويطور باستمرار أدواته القمعية"، وحاولت هذه التجارب الشعرية –برأي معاوية– تحرير المجتمع من الخوف وتهيئته للتحديات الجديدة، واحتلت المفردة وهي تعانق فضاءات الحرية وتختبرها "مكانة عظيمة"، وخلقت هذه المتغيرات الجديدة فرصة للشعر لاستخلاص "لغة جديدة مستقاة من الفعل الثوري وأدواته بخلق عوالم جديدة للكلمة تعالج مسائل المساواة والعدالة وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة".
وتحدث معاوية عن الدور الرائد للجمعيات الثقافية والأدبية في الحركة الثقافية ورفدها وتجديدها للمدارس الشعرية، قائلاً إن هذه الجمعيات مازجت في خلق مساحات تجريب للشعراء في البيئة الجامعية باعتبارها حاضنة أدبية ملائمة لتطور التجارب الشعرية للشعراء الشباب من خلال المنتديات الثقافية التي تنشط في الجامعات التي صقلت المواهب ومثلت مسرحاً ملائماً لأداء الشعراء – بحسب معاوية.
عُني هذا الجزء بتسليط الضوء على التجارب الشعرية السودانية ومعالجتها لحياة الناس، وانشغالاتها بالعدالة الاجتماعية؛ حيث لم تكن تجاربهم في عزلة من هموم الناس، بل كانت ارتقاءً بقيم الجمال وامتداداً لتجربة كتابات جيل البشارة التي بشَّر بها محجوب شريف ومحمد الحسن سالم حميد وعمر الدوش، وليس انتهاءً بتجارب أزهري محمد علي، وبابكر الوسيلة.