حركية الألتراس.. الثوريون المبدعون

حركية الألتراس.. الثوريون المبدعون

سكة: الصادق يس

 

نشأت الأندية الرياضية في السودان في إطار تفاعل حركة المثقفين السودانيين مع القضايا الوطنية. والحق أن الحركة الوطنية والنزعة التحررية لجيل المثقفين السودانيين وجدت ضالتها في حق تكوين الجمعيات والأندية الرياضية والثقافية –إبان عهد الاستعمار البريطاني- للتبشير بخطاب التحرر الأفريقي والاستقلال والحق في تقرير المصير. واختارت أن تكون هذه الجمعيات والأندية واجهة لتفاعلها الشعبي، وقد حمّلتْ هذه النوايا الأندية والتكوينات الثقافية والرياضية الوليدة في ثلاثينيات القرن العشرين عبء المدافعة عن طموحات ورؤى سياسية لجيل الخريجين، وأتاحت مباشرةً مع طبقات جماهيرية بعيدة المنال على طبقة الأفندية المحمومة بشعارات التحرر والاستقلال.

الشعاراتية.. الملعب الزي والاسم

مضت الحركة الوطنية بتياراتها وواجهاتها المختلفة تلتمس طريقها إلى إرساء هوية لمشروع التحرر والنضال من أجل تحقيق الاستقلال للسودان وصياغة ذات ووجدان موحد لجيل الحركة الوطنية، فبعد تكوين أجسام تنظيمية للخريجين وأحزاب سياسية نقلت الأجيال الأولى للخريجين من أبناء الطبقة الوسطى النزعة الاستقلالية إلى الأندية الرياضية في الشعار والزي والاسم، واستثمرت في النهج الاستعماري بتقسيم الفضاء العام في السودان إبان حقبة الاستعمار البريطاني إلى فضاء استعماري تحت رعاية الإدارة البريطانية وفضاء أهلي كان مساحة للتفرد بابتكار أنماط للمقاومة وكيانات أهلية تمثل الإرادة المباشرة للسودانيين وتعبر عنها. ونشأت الأندية في نشاط مكثف تضمن ثلاث قطاعات (رياضية وثقافية واجتماعية)، واتخذت أسماءها من الأحياء في المدن والرموز الوطنية. وفي مرحلة التأسيس والمعايشة الأولى لأغلب الرياضات والمحافل الثقافية، نحت منحى تأصيلياً في تأسيسها في محاولة لخلق وجدان وطني يجمع السودانيين في مبتدأ أمرهم، واحتضنت مدن الفضاء الأهلي، مثل أم درمان وود مدني وعطبرة، الفرق الرياضية السودانية الكبرى. ونجد أن فريق الهلال –على سبيل المثال– أُسِّس في مدينة أم درمان في الثالث عشر من فبراير 1930، وهو ميلاد تقريبي لنشأة مدينة أم درمان بعد تحرير الخرطوم من الاستعمار التركي إبان المهدية بحسب محمد إبراهيم أبو سليم. وقد احتضنت الحركة الرياضية في بادئ أمرها الساحات العامة التاريخية، مثل ميدان مسجد الخليفة، ودار الرياضة ("بيت الأمانة" في العهد المهدوي) في أم درمان. كل هذه العوامل خلقت روابط عميقة بين الحركة الوطنية والرياضة السودانية في عهد تكونها الأول، وجعلت المحافل الرياضية ورحلات الأندية وتنقلاتها لأداء المباريات في مدن السودان وأقاليمه المختلفة ميادين لتفجر النزعة الاستقلالية المقاوِمة للاستعمار البريطاني حتى تحقق الاستقلال منتصف الخمسينيات.

البنية التحتية الرياضية في السودان

لعوامل ومؤثرات النشأة في بيئة التحرر والحركة الوطنية السودانية لم يكن الاتحاد السوداني لكرة القدم استثناءً من هذه النزعة لدى جيل الحركة الوطنية في السودان، إذ اضطلع بدور ريادي في تأسيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، واحتضن أولى بطولاته، وساهم مساهمةً فعالة في تطور منظومة كرة القدم الأفريقية في فترة الخمسينيات من القرن الماضي. وبالتوازي مع هذا التطور الإداري لمنظومة كرة القدم التزمت الأندية الرياضية بكونها شكلاً من أشكال التنظيم الجماهيري، تطورَ بنهجٍ مستقل عن الدولة وتدخلاتها المباشرة، فامتلكت الأندية الجماهيرية ملاعبها الخاصة في فترة الستينيات التي نشأت خلالها غالب المرافق العامة للدولة الوطنية بعد ثورة أكتوبر 1964، واحتضنت الساحات العامة المباريات والدوريات العامة والمحلية فكانت جزءًا من المدينة وحيويتها.

حذاء غريب في المعشب الأخضر

تحملت الرياضة السودانية هزات عنيفة ونكبات عرقلت تطورها الطبيعي وبالأخص كرة القدم وجماهيرها، ­­­­­فقد تعرضت الحركة الرياضية لعقود من الاستخدام السياسي لمنصات الرياضة وفعالياتها الجماهيرية من قبل الأنظمة الديكتاتورية بما سبب خللاً مركزياً في أهلية الحركة الرياضية وديمقراطيتها بوصفها منظومة مستقلة معنية بتسيير الأنشطة الرياضية بمعزل عن تدخل السلطات. وأخذت هذه التدخلات أشكالاً عديدة، بدءً بالمنافسات "الكرنفالية" المختلقة في مناسبات العهد نظام مايو وليس انتهاءً بأعياد حقبة  "الجبهة الاسلامية الإنقاذ" خلال 30 عاماً. وعايشت الملاعب الرياضية والإستادات اختطافاً ممنهجاً لمصلحة أجندة النظام الحاكم وفعالياته، وكانت مسرحاً للاستعراض "الكرنفالي" لتنظيمات عهد المايويين (الطلائع – الرواد) وأنماط الاحتفالات "الكرنفالية" المستنسخة من دول الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية. وكانت هذه الاحتفالات نسخة رسمية لهيمنة الدولة على فضاء المدينة وحضورها الفج في براحات الجماهير. وقد كان المظهر الغالب على تلك الفعاليات هو شعار المايويين الذي اختطف إرادة الجماهير لمصلحة دولة الفرد (هيبة أمة في هيبة رجل) تمجيداً لشخص النميري الذي حرص على أن يكون نجماً لا شريك له في كل الفعاليات، حتى الرياضية منها، وحرص على أن يكون صدى الجماهير وهتافها الذي تقوده جوقة المؤيدين "رئيسكم مين؟ نميري.. أبوكم مين؟ نميري"؛ كما كانت مسرحاً لاستعراض سطوة الحزب الحاكم على الكيانات الطلابية (الاتحاد العام للطلاب السودانيين) ومناشط مراكز الشباب التي اجترحها نظام البشير في تدخله المباشر في القطاع الرياضي، وكانت منصات عرض بالإجبار لتخريج دفعات الكتائب الجهادية للنظام الحاكم.

نكبة الرياضة الجماهيرية

عايشت الرياضة السودانية كابوساً مزعجاً ألقى بظلاله -على مدى خمسة عقود– على التطور الطبيعي للرياضات الجماهيرية في السودان. ربما لم يخطر لعشاق الرياضة السودانية ومتابعيها أن ذاك الحذاء الغريب على المناشط والدور والملاعب الرياضية يمكن أن يسبب انتكاسة تدوم لنحو خمسة عقود من الزمان. ففي أوج دمغ الحياة العامة بهذيان النظام المايوي بشعارات الاشتراكية، واستخدامه المتكرر للمناشط العامة محافلَ تنظيمية لدولة الحزب الواحد. وكان إفلات المنافسات الرياضية بالجماهير وانفعالاتها من قيود نظام مايو مخالفاً لتوجه دولة الحزب الواحد والرجل الواحد، ففي حين شُلت الحركة السياسية وحُجّم نشاطها إلى مستوى العمل السري، كانت الحركة الرياضية السودانية الفضاء الوحيد الذي سَلِم جزئياً من تدخل السلطة، إلا أن ذلك العهد لم يدُم طويلاً فسرعان ما أفرز تضخم دولة الرجل الواحد والحزب الواحد وضعاً جديداً ضاق بالإرادة الحرة للجماهير ومساحاتها الخاصة.

ووفق النهج المعتاد لأنظمة الحزب الواحد إبان حقبة الستينيات والسبعينيات درج نظام نميري على ابتداع منافسات رياضية لتكون محافل "كرنفالية" لأعياد ما أسماه المايويون "ثورة مايو" هتفت الجماهير في إحداها "أبوكم مين؟ .. علي قاقارين" تحريفاً للهتاف المحبب لنميري ومؤيديه "أبوكم مين؟ .. نميري" ابتهاجاً بالنصر على غريمها وتبجيلاً لمعشوقها علي قاقارين بعد أن حقق الهلال الكأس الذهبية في تلك الليلة أمام المريخ.

زُيّن بعدها للنظام المايوي في لوثة قراراته الارتجالية في مسعاه لمركزة الحياة العامة حول الرجل الواحد – إصدار قرار كان اغتيالاً للكرة السودانية والمنافسات الرياضية على العموم، ففي 28 أبريل من العام 1976م أصدر النميري قرارات حلّ بموجبها جميع الأندية الرياضية، وأعلن تجميد كل المنافسات الرياضية، وإيقاف سفر كل الوفود الرياضية إلى الخارج، ما عدا المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية، وأن تمارس الرياضة الجماهيرية فقط في الأحياء. ويعد أهل الرياضة هذه القرارات رصاصةً اغتالت التطور الطبيعي للرياضة، وطعنت في أهلية الممارسة الرياضية وديمقراطيتها وفي المؤسسات الرياضية في السودان وأدت إلى تردي مستويات الأندية السودانية وتدهور البنية التحتية للمؤسسات الرياضية، وخلفت عقوداً من محاولات الإفلات من آثارها. 

الألتراس.. دفق الحركية

ألتراس: كلمة ذات أصل لاتيني - ألترا (Ultra)، وتعني فائق الحد.. وفي عوالم الرياضة تعني مجموعة المشجعين شديدي الولاء لفريقهم.

والألتراس نمط جديد في التفاعل الجماهيري في المناشط الرياضية وفي فضاء الأندية الجماهيرية الرياضية. نمت حركية الألتراس نمواً متسارعاً في كل من أوروبا وأمريكا الجنوبية، فاضحتْ جزءًا من هوية الأندية الرياضية وروح الملاعب. شهد العقدان الأخيران في السودان جنوحاً –إلى حد الهوس– في التشجيع الرياضي للفرق العالمية ومتابعة الدوريات الأوروبية. وعايشت الكرة السودانية والمسابقات المحلية وحتى المنتخبات الوطنية حالة قطيعة وعزلة جماهيرية، نتجت بعد تجارب التصاعد المميز، ثم الهبوط المفاجئ في المستويات والنتائج الذي دمغ مشاركات الأندية والمنتخبات السودانية في المنافسات الإقليمية والقارية والمحافل الرياضية. هذا التوالي المُريع في الإخفاق في الوصول إلى النهائيات بدد أحلام أجيال ناشئة عايشت انتفاضات للكرة السودانية بين الأعوام 2005 – 2012، وولد حالة إنكار للواقع الرياضي المتردي شأن كل القطاعات العامة، واغتراب وجداني رياضي.

وقد نشأت هذه المجموعات التشجيعية في ظل تعافي الكرة السودانية وتحقيق الأندية السودانية لنتائج إيجابية في مشاركاتها القارية. ولم تكن هذه المجموعات استثناءً من التطور التنظيمي الذي أعقب هبة سبتمبر 2013، فقد نشأت على عماد أبناء الطبقة الوسطى وطلاب الجامعات، وساهمت هذه الوضعية في نموها نمواً منتظماً وتدريجياً.

مانفيستو تأسيس مجموعات الألتراس

 تعتمد مجموعات الألتراس على مبادئ تأسيس عرفية في جميع أنحاء العالم، من ضمنها: الاستقلال المالي، واعتماد هيكلة قاعدية، والتدرج والالتزام بدستور المجموعة، وإنكار الذات، والمساهمة والتضحية من أجل المجموعة، ومبدأ الـ(AntiMedia) بمقاطعة الظهور في وسائل التواصل والإعلام المرئي ما لم تقتضِ الضرورة، عدا إعلام المجموعة نفسها.

وفي السودان ساهمت البنية التأسيسية لهذه المجموعات في إضافة أعباء جديدة للمجموعات، خلقتها حالة النشاط الأهلي التي درج السودانيين عبرها على سد الفراغ الناتج عن غياب الدولة وتنصلها من الاستجابة للطوارئ ونقص الخدمات، بالإضافة إلى المبادئ وشعارات الأندية المضمنة في مانفيستو المجموعات التشجيعية ودستورها.


كرة القدم فضاء جماهيري بامتياز، أساسه الاهتمام الجماهيري، ويحكم  تطورها المساهمة الجماهيرية وشعبية اللعبة. يقول إدوارد غاليانو: " هل دخلت يوماً إلى إستاد مقفر؟ جرب ذلك. قف في منتصف الملعب وأنصت. ليس هناك ما هو فارغ أكثر من إستاد فارغ. وليس هناك ما هو أكثر بكماً من المدرجات الخاوية". إزاء هذه الطبيعة الجماهيرية لرياضة كرة القدم، وجدت مجموعات الألتراس نفسها سفيراً مجتمعياً للرياضة ولقيم نواديها في السودان. نظمت مجموعة ألتراس "الأسود الزرقاء" مبادرة "يلا ندفيهم" في العام 2015 للحث على فعل إيجابي تجاه مجتمع المشردين والأطفال فاقدي السند، وهي مبادرة سنوية، إلى جانب حملة للتبرع بالدم، وحملات إصحاح البيئة التوعوية الصحية، والأيام الصحية في ضواحي المدن، والأيام الترفيهية لأطفال السرطان ودُور المسنين، ومبادرات اضطلعت فيها بمسؤوليات مجتمعية، ونحت نحوها المجموعات التشجيعية اللاحقة للفرق المنافسة في السودان. هذه الأدوار المستمرة أرست لحضور مجتمعي حقيقي للمجموعات في الشارع السوداني وتفاعلاته اليومية.

الأدبيات والإعلام الجماهيري لمجموعات الألتراس

ضاعفت هبة سبتمبر 2013 من جرعات الوعي بالفضاء العام، وزادت من النزعات الوطنية والثورية لدى شريحة الشباب، وشهدت الملاعب والإستادات الرياضية تمظهرات هذا التأثير في أكثر من مناسبة، ابتدرها ألتراس "الأسود الزرقاء" (Ultras Blue Lions ) ألتراس نادي الهلال، بـ"تيفو" نادي الحركة الوطنية في إحدى مباريات "الديربي" بأم درمان، حمل صوراً لرموز وشخصيات وطنية وتاريخية سودانية وملمحاً لمدينة أم درمان، في حين مثلت المواجهات الخارجية فرصاً أخرى لتفاعل الألتراس مع الشؤون الوطنية. وشهد لقاء الهلال والزمالك المصري في المنافسة القارية في العام 2014 "تيفو" وهتافات بشأن قضية "مثلث حلايب" في أول تمظهر للمواضيع السياسية في منتوج الألتراس في السودان.

ومع أن خط الألتراس ينص على البعد عن السياسة والولاءات الحزبية في مساحات المجموعة وأفرادها، إلا أن عناصر المجموعة التزمت –بدرجة أو بأخرى– بخلق رابط مستمر بين المجموعة والأفكار المؤسِّسة للنادي، كما بدأت المجموعة خلال منتصف العقد الفارط في سعيها إلى نشر حركية الألتراس في السودان في الجامعات، وتنفيذ جداريات  للمجموعة في فضاء المدينة عرضت أفرادها للاعتقال من قبل المنظومة الأمنية في مرات عديدة. وأنتجت المجموعة ألبومات وأهازيج عالجت إبداعياً المانفيستو التأسيسي للمجموعة ومبادئ النادي والمجموعة وقيمهما.

واجه وجود هذه الأجسام الأهلية والشبابية في المنظومة الرياضية وبالأخص في أندية كرة القدم – واجه الكثير من العوائق؛ فالثقافة التشجيعية التقليدية هي ثقافة احتفاء بالانتصار، فيما أرست مجموعة الألتراس نمطاً جديداً للتشجيع المتواصل في حالتي الانتصار والخسارة. خلق هذا النهج الجديد حالة من النقاش والتدافع في المجتمع الرياضي، واجهت فيه مجموعات الألتراس صعوبات أمنية وتضييقاً من مجالس الإدارات على مساحاتها في المجتمع الرياضي بوصفها تياراً ثورياً جماهيرياً مستقلاً معاكساً لتيار السيطرة على المؤسسات الرياضية.

وعُرفت المنطقة التشجيعية لألتراس الهلال وروادها بـ(Curva rebels) لتأكيد نزعتهم الثورية ووجودهم خارج نطاق تأثير مجالس الإدارات المتعاقبة ونفوذها، بل ونهجهم الرامي إلى تخليص الأندية من الانزلاق في الاستغلال التجميلي لشاغلي المناصب الإدارية في التكسب باسم النادي. ونظمت المجموعة اعتصاماً يستند على منطلقات تنتصر لمبادئ جماهيرية الحركة الرياضية وأهليتها وديمقراطيتها، كان شعاره "الهلال لشعبه، ولشعبه القرار"، انتظمت خلاله أفراد المجموعة في إقامة طويلة لاسترداد مقار النادي لمصلحة الجماهير.

السردية الجماهيرية للديسمبريين - ألتراس الثورة

 بدا وكأن ثورة ديسمبر حازت مساحات مضاعفة للتفاعل مع تجارب الأجيال السودانية، ففي حين اجتهد كثيرون في نحت تفاصيلها لـمشهد مماثل لتجارب ثورتي أكتوبر 1964 ورجب أبريل 1985 للثورة القادمة خلال عقود من النضال السياسي، بشرت أدبياتها باستنساخ ساعات النصر والمواقيت الزمانية للشعب السوداني، حتى تدربت عليها الأجيال ونشأت على حرفها. تفرد جيل ديسمبر الشاب بتكثيف أشكال تعبيره ليصيغ أبجدية متفردة وفتية بأشكال تعبير توافق الأنماط المتسارعة للتكنولوجيا، آمنت بالشباب والسلمية، وكرهت العنف، واستوعبت السياقات القديمة.

مثّل فضاء اعتصام القيادة العامة للجيش محفلاً مكثفاً لأشكال التعبير الجماهيرية المقاوِمة، ومساحات إبداع متجددة وفريدة للمبدعين والفنانين والمثقفين السودانيين، كما مثّل حافزاً للإبداع ومحصناً لفضاءاته العبقرية، من ضمنها موائمة أنماط التشجيع لتغدو إعلاناً مستمراً للشعارات الثورية المؤسِّسة لأحلام السودانيين عبر الهتافات والأهازيج الثورية، وتنازل مجموعات الألتراس عن ولاءات النادي لمصلحة ولاءات وأحلام وطنية حملها جيل الديسمبريين.

وبتلك القدرة العجائبية والتفرد المدهش لثورة ديسمبر في تثوير الفضاء العام "لكل ما تحته عمل"، أبدعت مجموعات الألتراس إنتاجات فنية جسدت أحلام الجيل الشاب، وحَمّلت المدرجات نبضاً جماهيرياً ديسمبرياً بالدخلات (التيفو) التي كانت تجلياً جماهيرياً لإرادة الجيل الشاب في صياغة واقع جديد عنوانه "الحرية والسلام والعدالة".

تتميز الأهازيج التي تنتجها حركية الألتراس بأنها تعابير وكلمات بسيطة ومفهومة ومعبرة عن الجماهير وتفاعلاتها. في الإنتاج الفني لألتراس الهلال نجد معالجةً فنيةً وتشخيصاً لحال الجماهير والمدرجات، والعلاقة بالدولة القمعية في أهزوجة "صف العساكر": "صف العساكر قدامي واقف.. قالو الحكاية حراسة وتأمين.. رتب كبيرة والوضع تالف.. وين العدالة يا مغيبين؟" وتواصل الأهازيج في التفاعل مع مختلف مناحي الحياة العامة، مثل الصحافة والإعلام ورجال الأعمال.. "أبداً ما بننسى إعلامنا الزائف.. بنود وأجندة ليها حافظين"؛ وتستمر في تشريحها للواقع الاجتماعي والتبشير بآمال الجيل الجديد وطموحات الديسمبريين في أهازيج "ديسمبر" المجيدة.

وقد اضطلع أفراد الألتراس من دون تكليف من مجموعاتهم بدور تنظيمي كان أكثر الأشكال الثورية حيوية وقاعدية وشبابية وتجدداً، في تنظيم الأحياء واستكمال المد الثوري، وتجاوز جريمة فض اعتصام القيادة العامة بمواصلة الاحتشاد المليوني حتى موكب الثلاثين من يونيو المهيب.