المُشَارَكة العالية والفاعلة للنساء في ثورة ديسمبر

انفصال/مباينة:
المُشَارَكة العالية والفاعلة للنساء في ثورة ديسمبر
سِكَّة: مأمون الجاك
"منذ اندلاع الثورة، كانت زغاريد النساء في الشارع هي مانفيستو للإعلان عن الوجود، صيحة حرب على كلّ أنظمة القمع، مخاضُ ميلادٍ جديد"[i].
"من ينسى مذاق الأطعمة التي كانت تقدمها نساء وادي هور؟"[ii]
على العكس من الثورات السابقة، والتي اقتصرت مشاركة النساء فيها على فئات معيَّنة نخبوية حَضَريَّة، فإن ثورة ديسمبر-أبريل شاركت المرأة السودانية في مختلف أطوارها، بمختلف مرجعياتها الطبقية والعرقية والمهنية، فقد "تجلَّى الفارق النوعي للحراك النسائي في ثورة ديسمبر المجيدة بشموله لكل قطاعات وشرائح المجتمع من النساء، فلم يقتصر على النخب النسائية والشبابية والثورية كما في السابق"[iii].
تؤرخ سماح بشرى لنضال السودانيات القديم والمتصل فتقول: "على مر تاريخ أرض السودان، لم تبرح المرأة السودانية مكانها الفاعل الريادي في الحياة الخاصة والعامة، الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، وبالطبع السياسية"، فمنذ التاريخ القديم عرف السودان "(الكنداكات) و(الميارم)، وهي الألقاب التي يسمعها العالم اليوم إبان الثورة السودانية"[iv].
توضح بعدها أصول تلك الألقاب فـ"كلمة (كنداكة) في الثقافة السودانية تعني (الملكة العظيمة)، أعاد بعض المؤرخين أصل الكلمة إلى (كانديس) في الرومانية، بينما البعض الآخر أرجعها إلى (كدي كي)، في لغة مملكة مروي السودانية، والتي تعاقبت على حكمها إحدى عشر كنداكة في السودان الشمالي القديم.
أما كلمة (ميرم) فهي تعني (الأميرة)، وكان لقباً يُطلَق على ابنة السلطان، وزوجته، وأخته، ولـ(الميارم) سجلٌّ لا يغفل في المشاركة السياسية إبان ممالك دارفور، بما في ذلك إدارة الحكم وتنفيذ الاعتصامات"[v].
كذلك فإن نضال المرأة السودانية في الحقبة الحديثة خُلّد في التاريخ فـ"(مندي بت عجبنا)، بطلة السودان من جبال النوبة، ربطت صغيرها على ظهرها، وحَمَلت بندقيتها تقود تعزيزات عسكرية لمحاربة الاستعمار عام 1917م."[vi]
أما الآن، وفي ساحة اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية "تقف الميارم والكنداكات على خط المواجهة الأمامي يداً بيد مع إخوانهنّ الأبطال في مواجهة الظلم والفساد. يخاطبن الجماهير، يصددن هجوم المليشيات، يُعدِدنَ الطعام، يطبّبن الجرحى والمرضى، يجمعن التبرعات، ويخططن لاستمرار المقاومة حتى النصر"[vii].
ففي ساحة الاعتصام هذه تتوّج المرأة السودانية وقفتها الطويلة أمام محاولات الاستضعاف والإقصاء التي تقاومها منذ فترة طويلة، سواء في عهد حكومة عمر البشير، أم كمفاهيم مجتمعية في الريف والحضر، فقد "مشت (عازة) درباً طويلاً صامدة من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي في السودان الحديث؛ فدَخَلت الجمعية التأسيسية وترأّست الدوائر البرلمانية والوزارات. أسَّست السودانيات الجمعيات الطوعية، وقُدنَ القوافل التوعوية من قلب السودان إلى أقاصيه"[viii].
يوافق معز الزين الرأي القائل بأن هذه المشاركة العالية للنساء ترجع لعدة أسباب منها: "الاختلال الديمغرافي لصالح الفئات النسوية، أو نتيجة لارتفاع نسبة تعليم النساء أو ارتفاع وعيهن السياسي من خلال انخراطهن في المجال العام، وانتزاعهنّ لفرص العمل بالانخراط في مختلف المهن والأشغال، إذ أصبح مُتَاحاً للمرأة أن تكون هي عماد الأسرة وصمَّام أمانها الاقتصاديّ جراء تدهور الأوضاع المعيشية في السنوات الأخيرة"[ix].
لكنه يقرأ هذه المشاركة أيضاً وِفقَاً لطبيعة النظام القائم حينها، فـ"تجربة (المشروع الحضاري) المُطَبَّقة من قبل جماعة الإخوان المسلمين جَسَّدت أوضح أشكال الاستبداد الأبوي والذكوري للمجتمع السوداني القِيَميّ والمعياريّ للمرأة، من حيث كونها تجربة استبداد كياني مُرَكَّب، استهدفَ فئات النساء اجتماعياً وثقافياً أكثر من الفئات الأخرى"[x].
فهو يرى أن نضال المرأة وفئات الشباب المختلفة ضِدَّ سلطات المجتمع المُؤطِّرة للأفراد واللاغية لفراداتهم، كانت هي المُمَهِّد للثورة السياسية لاحقاً، ففي: "الوقت الذي كان فيه الخطاب السياسي مشغولاً بإيجاد تفسيرات عن الأدوار الجذرية والمفصلية للفاعل النسوي في ابتدار الاحتجاجات، وتأجيج جذوة الثورة، كانت بعض الفئات النسوية-الحضرية، خلال العقدين الأخيرين، تخوض مرحلة جديدة من مراحل تجربة الخضوع وتجلّياتها المُتَعدِّدة؛ من أوكار السلطة الاجتماعية الذكورية التقليدية (العائلة، الحزب، الشارع العام)، حيث عاشت هذه الفئات مخاضاً عسيراً ومريراً بانخراطها في طرق وأساليب مختلفة، تتنوع من كل تجربة لأخرى، حيث تشكل كل تجربة فردية سردية خاصة وفريدة في مقاومة العسف الاجتماعي-الوِصَائيّ، ومحاولات الانفكاك من أَسْر الممارسات التنميطية للأدوار المتجددة والمتكشفة"[xi].
يواصل قائلاً إن تجربة الخضوع المُحَرِّر تلك كانت مفارقتها متمثّلة في أن: "الفئات الشبابية المعولمة، ومن ضمنها فئات النساء، انخرطت مبكراً، خلال العقدين الأخيرين، في دحر المشروع الحضاري اجتماعياً، كأرضية مؤسسة للمقاومة السياسية، في محاولة لإعادة تشكيل النسق الاجتماعي الذكوري-الأبوي المغلق، بجعله مفتوحاً على كل الرحابات الكيانية والخيارات الذاتية المستقلة، وهو ذات المشروع الذي تَمشدَق، خلال خصائية ثلاث عقود من القمع والاستبداد، بمسعاه الأيديولوجي الهادف إلى إعادة صياغة الإنسان والمجتمع السوداني"[xii].
كما يُعرّف تجربة الخضوع المحرر بأنها تشير إلى أن: "كل سردية تحرر خاصة كانت تمثل مرحلة وسيطة قبل مرحلة التحرر الكامل والانفكاك من أسر الهيمنة الكلية التي تفرضها كل أشكال السلطة الاجتماعية-الذكورية على المرأة. فهذه التجربة، بوصفها مرحلة تحرر وسيطة، تخلق مساحة من الاستقلالية في التفكير والسلوك والاختيار، كما تمهّد إلى التخفّف من التأثيرات العكسية والسالبة للمحمول الذكوري المُضَاد الذي ينجم من التفاعلات التي تَخلقها حالة الصراع الاجتماعي السائدة، التي تحاول من خلالها المرأة انتزاع موقعها الاجتماعي المستقلّ غير الخاضع لأي إكراهات يمكن أن تفرضها تجربة التحرر بشكل ارتدادي. إن تحرير تجربة الخضوع ذو وجهين: الأول يتمثل في تحرير التجربة نفسها من مواطن السلطة الذكورية التقليدية، بينما يتمثل الوجه الثاني في التحرر من إسقاطاتها وإكراهاتها العكسية التي تنتج في حالات محددة هيمنة أنثوية-ذكورية مضادة"[xiii].
ويتفق كل من معز الزين ولمياء قاسم في كون تجارب المرأة ضد استبداد المجتمع وسعيها للتحرر هو الذي جعل من هذه المشاركة ممكنة وفاعلة، تقول لمياء قاسم: "لم تكن مصادفة المشاركة الكثيفة والمبهرة للمرأة السودانية في ثورة ديسمبر المجيدة، بدءاً من القيادة والتنظيم والمشاركة ومواجهة النظام والتصدي لآلته القمعية، فقد تراكم وعي النساء ونضجت تجاربهن عبر عقود من مناهضة النظام المعادي، مبدئياً، للنساء وفق منظوره الأيديولوجي المبني على تركيع المجتمع عبر تركيع النساء ومصادرة حقوقهن و(إعادتهن للقرار في البيوت)، وبسط سيطرته الأبوية بتحميل المرأة أعباء حراسة الهوية والقيمة الأخلاقية، كغطاء نظري وثقافي يسعى إلى إخضاع النساء والمجتمع بتسييس أجسادهنَّ، وكما أن انتهاج النظام المخلوع لسياسة الحرب المدمرة الهاتكة للنسيج الاجتماعي، والتي دفعت فيها النساء أثماناً باهظة عبر المقاومة السلمية والنضال من أجل الحفاظ على الحياة وسد الرتق الاجتماعي الذي انتَهَكَته الحروب الأهلية على جميع المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والوجودية، قد كون لديهن وعياً تجاوز تمثيل المرأة في الأحزاب السياسية وبرامجها المطروحة لحل المشكلات الاجتماعية إلى وعيٍ نوعيّ (نسويّ) بوجودهنّ الطبيعي ككائن له حقوقه وواجباته وفاعليّته في تغيير الحياة، وفقاً لرؤية تسمح بالتعبير عن هذا الوجود سياسياً، أيّاً كان موقعها الطبقي أو العرقي أو الإثني"[xiv].
وكذلك يقول معز الزين إن قراءته للمشاركة والفاعلية النسوية العالية تذهب في اتجاه يرى أن "هذا الانخراط أخذ يتغذَّى من تشكّل وعي بعض الفئات النسوية-الحضرية العميق من خلال تجربة الخضوع المُحرّر التي تحوَّلت إلى أداة مقاومة وإلى فعل احتجاجي، حيث تمخَّضت عن كل سردية خاصة وفريدة من سرديات تجربة الخضوع المحرر فرادات أنثوية-ثورية شكَّلت في المجمل الفرادات الجماعية لفئات الحركة الجماهيرية التي انخرطت في كل مراحل الاحتجاجات لتغذّي كلّ أطوار الثورة ومساراتها"[xv].
فمثلاً، فإن قروب منبرشات "لم يجسد أداة مقاومة سياسية فعالة فحسب، ولكنه أيضاً جسَّد أشكال الحضور النسوي المُقَاوِم للاستبداد الكيانيّ المركب (الاجتماعي والثقافي والسياسي). فمنذ البدء، أخذ يتخلَّق (الانبراش) كديناميَّة لتحرير الأيروس الأنثوي غير المتحقق جمالياً (الكريمات، الكسير في صور الأولاد السمحين، إلخ)، تلك الدينامية التي لم تغذِّ فحسب المنحى الجمالي الذي عزَّز من مساحة الإعلاء الكياني الطليق للذات الأنثوية المتمردة على التنميط والاختزال، ولكنها محضت كل سردية أنثوية فريدة طاقة توليدية للغة تواصل إسفيري ذات طابع اقتحامي واستنطاقي للغة الذكورية السائدة في الوسائط والفضاءات السجالية والجدالية المختلفة، فالخصوصية الأنثوية لقروب منبرشات تحمل في طياتها محاولات لخلق مساحة من الإعلاء الأنثوي غير الخاضع لإكراهات الشكل الذكوري-الاجتياحي للقروبات والفضاءات الإسفيرية، ذلك الإعلاء الجارح للافتراضي والواقعي معاً"[xvi].
يعكس تقرير لصحيفة "الجريدة" في 24 مايو 2019، شيئاً من مشاركة النساء الفعَّالة في اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، التقرير معنون بـ(كنداكات "وادي هور" من المعاناة إلى نشوة الانتصار)، وفيه تتحدث بعض المشتغلات في خيمة (كنداكات وادي هور) عن إعدادهن للأطعمة لإفطار الصائمين في رمضان، تقول فاطمة جاسر إن "منطقة (وادي هور) تأثرت بالحروب والنزاعات، ونزح أهلها وتفرقوا في أرجاء السودان وفي دول المهجر، وأن هذه الخيمة بدأت عملها مع بداية شهر رمضان، وأن أغلب المشاركة فيها تجيء من طرف النساء بنسبة 90% لذا سُمّيت خيمة (كنداكات وادي هور)"[xvii] وأضافت أن "الخيمة تُنتِج حوالي 100 قدح عصيدة يومياً، تتضمن وجبات التقلية والروب والوجبة الأساسية بالخيمة ملاح الكول"[xviii].
ووادي هور "إحدى المناطق التاريخية في السودان، وهي مرتبطة بالوادي الموسميّ (هور)، الذي ينحدر من أعالي تشاد مروراً بغرب السودان وحتى شماله، حيث كان من أكبر الروافد الموسمية للنيل، ويصب في شمال السودان عند منحنى النيل في الدبة مع وادي المقدّم، وبفعل الزمن والزحف الصحراوي جف الوادي ونزح سكان ضفافه شمالاً وجنوباً، ومن المعروف أن قبيلة الزغاوة إحدى أكبر القبائل التي تسكن حول الوادي، ويتميز الوادي بطبيعته الغنية وموارده المتمثلة في الحجر الرملي والغرانيت"[xix].
وعن تطلعات نساء وادي هور، تقول فاطمة: "إن مطالبهن موافقة لمطالب الثورة المتمثلة في وجود حكومة مدنية قائمة على إعلان الحرية والتغيير، بالإضافة إلى معالجة قضايا جميع المناطق المتأثرة بالحروب، وعودة النازحين واللاجئين إلى قراهم الأصلية، وإيقاف الحروب"[xx].
فيما قالت صاحبة مبادرة إفطار صائمة بخيمة (كنداكات وادي هور) إن "الفكرة جاءتها في بداية الاعتصام، لحاجة الثوار للطعام والماء، وأنها تواصلت مع عدد من أبناء وادي هور بالخارج للمساعدة في تنفيذها، فوافقوا وأرسلوا مساهماتهم"[xxi].
وعن خططهنَّ المقبلة تقول ابتسام إنهن "يخطّطن لتسيير قافلة توعوية لكل مناطق النزاعات والحروب في السودان، مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وأن هدف هذه القافلة هو التوعية بالحقوق والدعوة إلى التنمية المتوازنة التي تضمن الاستقرار والسلام"[xxii].
[i] ميسون النجومي، كاتبة وناقدة، (الثورة مؤنثة)، مجلة الحداثة السودانية، عدد سبتمبر 2020
[ii] محمد خلف الله، كاتب ومترجم، (قمر صغير الحجم على ذرى جبل)، مجلة الحداثة، مرجع سابق
[iii] لمياء قاسم، محامية وكاتبة، (الثورة مؤنثة)، مجلة الحداثة، مرجع سابق
[iv] سماح بشرى، تقرير لبي بي سي، نشر بصحيفة السوداني، 19 أبريل 2019
[v] سماح بشرى، مرجع سابق
[vi] سماح بشرى، مرجع سابق
[vii] سماح بشرى، مرجع سابق
[viii] سماح بشرى، مرجع سابق
[ix] معز الزين، مدون ومترجم، (القوس والزهرة)، مجلة الحداثة، مرجع سابق
[x] معز الزين، مرجع سابق
[xi] معز الزين، مرجع سابق
[xii] معز الزين، مرجع سابق
[xiii] معز الزين، مرجع سابق
[xiv] لمياء قاسم، مرجع سابق
[xv] معز الزين، مرجع سابق
[xvi] معز الزين، مرجع سابق
[xvii] (كنداكات وادي هور)، سيد أحمد إبراهيم، ناهد حميدة، تقرير بصحيفة الجريدة 24 مايو 2019
[xviii] (كنداكات وادي هور)، صحيفة الجريدة، مرجع سابق
[xix] (كنداكات وادي هور)، صحيفة الجريدة، مرجع سابق
[xx] (كنداكات وادي هور)، صحيفة الجريدة، مرجع سابق
[xxi] (كنداكات وادي هور)، صحيفة الجريدة، مرجع سابق
[xxii] (كنداكات وادي هور)، صحيفة الجريدة، مرجع سابق