استِهلاَل - (حول مَنهج الرصد والتحليل)

استِهلاَل - (حول مَنهج الرصد والتحليل)

استِهلاَل

(حول مَنهج الرصد والتحليل)

سكَّة: مأمون الجاك

"كلُّ يوتوبيا هي حنينٌ مُمِضٌّ إلى ماضٍ مُجْهَض، ويوتوبيا هذا الجيل من الشبان والشابات السودانيات ماضٍ استَمَرَّ لشهرين، أو أقلّ قليلاً، وامتدَّ في مكانٍ كانت كل لحظات وأحداث الثورة السودانية قبله هَجْساً بِه، وتأسيساً لمِعمَاره، ورَسمَاً لخارطته، وكلّ ما جاء بعده من أحداثٍ مُتَعَلّق به، ولازم للحظة فَضِّه الوحشيّ ومحوه من الوجود. بتعبيرٍ آخر، كان أسطورةً للجماعة، استحالت بفَقْدِهَا لرمز: طرائق اجتماعها وتعريفها لذاتها، وتعريف كلّ فردٍ منها لذاتِه، كـأن كلّ أزمنة الدولة السودانية ومساعي شعبها كُثِّفت في أزمنةِ وأمكنةِ ذلك الحدث، أي اعتصام القيادة العامة بالخرطوم والاعتصامات أمام حاميات الجيش في مدن السودان الأخرى".

 

في تلك الأمكنة والأزمنة التي -وللمفارقة- عسيرةٌ على الاستعادة، وكذلك، ماثلةٌ بضراوةٍ في أذهان ومخيال الشعب - من شاركوا فيه، وحتى أعدائه الذين، حين رغبوا لاحقاً في إيقاف مسار التحوّل الديمقراطي، حاولوا مُحَاكَاته، لا ظنَّاً منهم بأنها الوسيلة المُبلِغَة لمطامحهم فحسب، وإنّما لأنهم أرادوا أن يعيشوا تلك اللحظة، وأنَّى لهم ذلك؟! وكيف لهم إعادة لحظاتٍ موغلة في الرمز، صفت فيها نفوس السودانيين دون تكلف أو تعسف، وعُلِقت فيها الأحكام والتمايزات فيما بينهم، وتشاركوا عطاءً غير منقطع، جودٌ بالنفس- إن ضنّ الجوادُ بها- وبالجهد والزمن، وانصرفوا إلى غناءٍ طويل وصادق للحرية؛ ما كان أكثرهُ لنا وأقله، ومارسوا في تضاعيف غنائهم ذاك الفعل السياسي في حقيقته كشيء يومي غير منفصلٍ أو متعالٍ عن ذواتهم أو كما كان في السابق أمرا تقوم به جماعة قليلة منهم. سنحاول هاهنا توثيقاً لذلك الحدث الثوري، ابتداءً من ذروته، أي لحظة وصول الثوار إلى مباني القيادة العامة وإقامتهم حولها، راجعين بلا شك إلى المسار الطويل متعدّد الأزمنة والأمكنة والأحداث المُفضي لتلك الذروة.

 

مصادرنا في هذا التوثيق شحيحة، فسنكتفي في البداية بكتابات لصحف سودانية صدرت خلال شهري الاعتصام، وكلّنا نذكر أن ما قبل لحظة السقوط كانت صحافتنا النزيهة منها مكبلةً بقيود المصادرة والاعتقالات والمنع من النشر، وحتى بعد السقوط الجزئي للنظام القديم لم تكن الصحيفتان اللتان عُنِينا بجمع موادهما، رصدها وتحريرها بعد ذلك، -وهما صحيفتا "الجريدة" و"السوداني"- تصدران بشكلٍ يوميّ وراتب، وهذه الكتابات -على قلّتها- لا تخلو من أهمية، لأنها كتابة بتعدد أشكالها الصحفية توجد داخل اللحظة الثورية؛ وهذا أمر كما يزعم المؤرخون والمتخصصون في العلوم الإنسانية أنهم عاجزون عن القيام به إلا اضطراراً، لكون مادة البحث ما زالت متحرّكة ومستمرّة، ولدراستها بدقة، عليهم الانتظار حتى انقضائها ورؤية نتائجها. المصدر الآخر كان مجلتي (الحداثة السودانية) في عددها الثالث عشر، ومجلة في هيئة كتاب صدرت خارج البلاد، وهي (بدايات). دُوّنت كتابات مجلة الحداثة -كما نصَّت كلمة العدد- في لحظات الثورة نفسها، وصفاً وتحليلاً وبحثاً، وإن تعذَّرت عملية النشر والتوزيع حينها، لتصدر لاحقاً في سبتمبر 2020. أما المجلة الثانية (بدايات) فهي تصدر في لبنان، وخصَّصت جزءاً من إصدارتها لعام 2019 لكتابة عن الثورة السودانية، وشارك فيها كتاب سودانيون.

أُسقِط عن هذا التوثيق مصدر لا يمكن إغفاله، كما لا يمكن استصحابه لشساعته الهائلة، وهي كتابات وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك تقبع تدوينات ومنشورات لا غنى عنها في التتبع الدقيق لكل لحظات الثورة وانعطافاتها وأحداثها المفصلية، فهذه الثورة، منذ البدء، وجدت تمثيلها المكتوب والمرئي، في كتابة جماعية منهمكة في نقل كل تفاصيلها، وهناك أيضاً تَمثُل بلاغة الثورة في ابتكارها لهتافاتها وشعاراتها ومجازاتها وتداول كل ذلك -ألم تكن "تسقط بس" شعار الثورة الأول سوى رسالة من عاشق إلى حبيبته التي حرمه حجب الحكومة الجزئي للإنترنت من مشاركتها يومها كلّه، رسائلاً ومحادثات؟- وتوجد أيضاً صفحة (تجمع المهنيين السودانيين) المُحَدِّدة لأزمنة ومسارات المواكب، والحاشدة لها ببياناتها المُستمدِّة بلاغتها من مكامن الوجدان والمخيال الشعبيين المفعمين بالأغنيات والقصائد؛ فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي: "دور الجمعية المُؤَطِّرة للثورة، وتولَّت القيادة الفكرية والثقافية، فهي تنشر المعلومة بسرعة عجيبة، وتبتكر وتُبدع الشعارات، وتنقل النداءات وتدعو للخروج والتظاهر والاعتصام والعصيان، وتتشارك الحزن والفرح، وتقف أمام الانزلاق إلى مشاعر اليأس والإحباط، وتُراجِع سبل أدوات المشاركة، وتنشر ثقافة السلمية وتحضّ عليها، وترفع من وتيرة الغضب بعد أحداثٍ مُعيَّنة؛ كل ذلك بمشاركة عضوية مُوزَّعة على كلّ بقعة في السودان يصلها الإنترنت، وعلى كل قارة كونية"

الثورة حدث غامض وساحر بطبيعته، ولعل أسبابه ودوافعه تزداد وضوحاً بتقادم الأيام، أما جوهره فيبقى في غموضه، فالنهر ليس منبعه فحسب، أو مَصبّه، ولكن حركة دائبة وحثيثة. وهذا المجاز الثوري المستمد من النهر أو الجموع البشرية الثائرة، وتشبيهها بالسيول المندفعة والهادرة، به شيء من حقيقة، وهو شائع ومُستخدم. سنتطرق لاحقاً لمجازات الثورة، ومنها كونها "حديقة مرغوب فيها"، و"جذوة نارٍ مضطرمة"، و"نهراً جارفاً"، و"ارتحالاً بدويَّاً" حيناً، و"إقامةً وحلولاً زراعياً" حيناً آخر، و"شراعاً أوصل الزورق للشاطئ فجراً"، كما تم وصفها حسب مراحلها المختلفة، وفي كلٍّ حقّ، وبعضها تحقَّق في لحظات بعينها، أي حَلَّ الشعريّ في اليومي والمجاز في المكان، مثلاً: حادثة إحراق دار الحزب الحاكم في عطبرة 19 ديسمبر 2018.

الثورة لحظاتٌ شعرية تُقارَب حِيناً بالمجاز، وأحياناً بالدراسة المتأنية والفاحصة. أما الجمع بين الأمرين، فبه ضربٌ من الاستحالة، ومحاولة وَصفِها ورِوَايَتها "جلبٌ للتمر إلى هجر" في المثل العربي المضروب لمن جاء بالشيء إلى مظانِّه. وهي شبيهة بمحاولة وصف لوحة فنية، فهي لا تُستَغرق ولا تَنفد في الكلمات، إنما تَفْجَؤُكَ حالَ انتهائِك من إيجاد لغةٍ واصفةٍ لها بحضورها المُذهل والبَدْهِي غير القابل للعبور في اللغة إلا مجازاً، ولعلَّ في حضورها الشفهي الباهر أمراً محيِّراً، وذلك في لحظات استعادتها لاحقاً مع آخرين، أو في تذكُّر وتَأَمُّل أحداثها: حَدَث الاعتصام تحديداً. 

وهي كما علَّمتنا زغاريد البنات وأهزوجات الثوار، أغنية طويلة في دروبٍ ضيّقة، دروب شبيهة بدروب المتنبي: على طُرُقٍ بها على الطرقِ رفِعةٌ ولذِكرها عند الأنيسِ خمول فعلى طرقٍ وشوارعَ مثل تلك في رِفْعَةِ المعنى والقصد، ووعورة المسالك، سارت مواكب الثورة السودانية، وما تزال تسير حتى تصل غاياتها، ولكن تلك الطرق ليست خاملة الحضور ونائية عند ذكرها للأنيس، بل ماثلة ومُسمَّاة، دماءٌ بدَّلت أسماءها، وأرواحٌ ارتَقَت في جنباتها. كانت تلك المواكب المستمرة لأربعة أشهر، والممتدة في شتى أقاليم السودان، لملمةٌ مجهدةٌ ومؤلمةٌ لشتات البلاد؛ فصورة خارطة السودان المكونة من صور شهداء الثورة أو أسمائهم، لم تكن مجازاً بصرياً فحسب، ولكنَّ تلك الدماء المسفوحة في شتَّى أرجاء البلاد، أعادت رسم خارطتها بالفعل. كان كلُّ دمٍ يُسفح خيطاً وحبلاً يَصِلُ بين جموع السودانيين ويضمّهم إلى بعضهم، مُوحِّداً لهم وماحِياً لتبعثرهم القديم.

 

 

1- شمس الدين ضو البيت، وهو باحث وكاتب في مجال الاستنارة والإصلاح الديني، (الثورة السودانية: عبقرية التمرد، رؤوية التأسيس)، مجلة (الحداثة السودانية) سبتمبر 2020

00:00 / 00:00