ثورة الـ (PEN TOOL)

ثورة الـ (PEN TOOL)

ثورة الـ (PEN TOOL)

سكة : الصادق يس

وقف الرئيس المخلوع عمر البشير في خطاب جماهيري بمدينة كسلا شرقي البلاد في أعقاب تصاعد دعوات على المنصات الاجتماعية إلى إحياء عصيان مدني عام للمرة الثانية خلال شهر واحد، في خواتيم العام 2016 –فيما بدا وكأنه إطلاق تجريبي لمساحات ممكنة لنقل الفعل المدني المعارض إلى حيوات عامة الناس ونقاشاتهم– قال البشير وقتها: "انتو سامعين الأيام دي بثوار الكيبورد والواتس آب.. دايرين نقول ليهم، لو دايرين تسقطو النظام واجهونا مباشرةً في الشارع".

قد تبدو هذه التسمية (ثوار الكيبورد) صحيحة من الناحية التاريخية أولاً، مع أن القصد كان الانتقاص من الثورة وغمز قناتها والتشكيك في قدرتها، على أساس أنها لا تعدو أن تكون سردية لعالم افتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي، يختلف من حيث بنْيته وتكوينه عن مسرح العمل العام المعتاد.

في الحقيقة فإن الثورة السودانية نالت هذا الاسم (ثوار الكيبورد) في سردية الثورة المضادة، وحققته في طور فرضياتها الأولى التي خامرت عقول الفاعلين السياسيين، ففضاءات العوالم الرقمية التي احتضنت نقاشات التغيير ومداولات الفاعلين أسست لواقع تفاعلي جديد في الساحة السياسية والاجتماعية السودانية، وأثرت بطروحات النقاش –النظرية والتطبيقية– بشأن الفعل السياسي الجديد وديناميكية مساحات التعبير بوصفها أنماط مقاومة عصية على التتبع والترصد. لكنّ فرادة أدوات التغيير الجديدة برزت في تسخير كل التقنيات والعوالم الجديدة –القائمة على المقاومة المبدعة ذات البعد الفني البحت– وضمنت استدامة أشكال التعبير المقاوم وتطورها. لقد كانت بحقّ ثورة كيبورد وماوس ووسائط متعددة، بمبدعي الوسائط ومنشئي المحتوى ومصممي الغرافيك، لمدة تقارب عقداً من الزمان، وهو ما لم يُتح تحقيقه للأساليب المعتادة في ظل تقييد الحريات العامة والقبضة الأمنية ومقصات الرقابة القبلية على الإعلام التقليدي.

 

ومع الأهمية التاريخية لنشأة الكيبورد السياسي السوداني وتمظهر المقاومة في الأدوات السلمية الفنية للتعبير، ومع أن التصميم الغرافيكي مظهر أساسي من مظاهر تفاعل الحركة الفنية والإبداعية مع الأحداث السياسية السودانية خلال العقد الأخير، إلا أنه لم يحظَ باهتمام تاريخي يُعنى بتلك المرحلة وتطورها؛ فقد ساهم مجتمع مصممي الغرافيك السودانيين –بقدر أو بآخر– في خلق وعي بقضايا التغيير، وشاركوا في مراحل تثوير الشارع السوداني، بل وتحضيره للعمل العام، بالمساهمة في وصل الثورة بمضمونها الفكري، بلغة وطرق عرض وتعابير متوائمة مع الأجيال الشابة. ولعل هذه المهمة تضعها على مستوى عالٍ بالمقارنة مع بقية الفنون والآداب التي نشأت في سكة الثورة السودانية ودُوّنت في سجلاتها. وتغدو إعادة الاعتبار إلى تجارب المصممين السودانيين في الاشتغال بالشأن العام، نوعًا من إعادة الاعتبار إلى الثورة نفسها. وفي هذا الإطار، نضع محاولة التوثيق لمراحل تطور التصميم الغرافيكي في رواية أحداث الثورة السودانية وصناعتها، والهوة التي جسرتها البوسترات والتصاميم في إعلام الثورة.

لتتبع التطور الكبير في وسائل التعبير وأدواته في السودان والقدرة المذهلة لثورة ديسمبر على تخليق مساحات للجميع في سردياتها المتعددة، لا بد من العودة إلى العقد الأخير الذي شهد انفتاح الشباب على العوالم غير المحدودة التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ظهرت على الساحة السودانية أشكال جديدة من التنظيمات الشبابية، وبدأت في تكوين تحالف حد أدنى من المشتركات والأهداف السياسية للعمل عليها كمجموعات ضغط. وكان لهذه المجموعات حضور إعلامي فعال في الفضاء الأزرق الذي مكنها من الإفلات من القيود والترصد، واستخدمت أدوات الإعلام الجديد في الصورة والمواد المسجلة والبوسترات في الحضور الإلكتروني، كما استفادت من التكنولوجيا في توثيق نشاطها الميداني في الشارع السوداني. وفي هذه الظروف نشأت أولى العلائق بين الفضاء العام والمصممين والمصورين. ويمكننا القول إن تلك المرحلة كانت مرحلة تجريب لأعضاء هذه المجموعات الذين ألزمتهم السرية على التعلم المستمر للتقنيات الجديدة، مما خلق مجموعة من المشتغلين في قطاع التصميم الغرافيكي والتصوير – الملتزمين تجاه قضايا سياسية واجتماعية، وخلق مكاتب إعلامية للتكوينات الشبابية تطور تجربتها باستمرار. وتخلقت نتيجةً لهذه الظروف علائق مهنية بين الممارسين وأصحاب الاهتمامات المشتركة، ونمت الحاجة إلى شكل تنظيمي أشبه بالجمعيات التعاونية، إذ تجابه كل القطاعات الإنتاجية والكيانات الأكاديمية صعوبات وعراقيل تحطم كل محاولة للفكاك الفردي، وتحتم العمل المنظم مع الآخرين، وخلق نقاشات عامة عن شؤون المشتغلين والمهتمين بالمجالات المختلفة، وبالطبع لم يكن قطاع التصميم الغرافيكي استثناءً.

هذا العنصر غير متاح في بلدك

لقد كان وضع العمل الإبداعي في إطار تشاركي جماعي عاملاً بالغ الأهمية، خلقته الفضاءات الرقمية الجديدة في مواجهة قلة المواد التعليمية والبرامج المرخصة، أوجب على المبدعين والمشتغلين والهواة المهتمين بالتصميم الغرافيكي التعامل مع الصعوبات التي تواجههم في استخدام نسخ مُقرصنة غير مرخصة، وذلك بتكثيف إبداعاتهم ومشاركة خبراتهم في معالجة العوائق التي تحد من قدرتهم على الوصول والمنافسة جراء الحظر الاقتصادي والتكنولوجي الذي فرضته الإدارة الأمريكية على السودان، وعانى من آثاره السودانيون طيلة عقدين من الزمان.

وفي عمل إبداعي تفاعلي مع فضاء ثورة ديسمبر، وفي سياق الاعتياد على الحظر المفروض على السودان، يتماهى تشخيص الواقع مع العمل الفني نجد ذلك في تصميم للمصمم عمر مصطفى تتوسطه نافذة لواجهة برنامج كتب عليها "هذا العنصر غير متوافر في بلدك" بخلفية لأحد أفراد مليشيا الجنجويد التي أنشأها نظام البشير، في رمزية لتراكم الصعوبات التي تواجه تخلق العملية الإبداعية في السودان، من الحظر التكنولوجي والاقتصادي وحتى الرقابة الأمنية والدولة القمعية. وإزاء هذه الصعوبات المتفاقمة زاد اعتماد السودانيين على مشاركة الموارد المعرفية، ومبادرات التمويل الجماعي، وإيجاد فرص التدريب، ومشاركة تكتيكات تقنية للالتفاف على الحظر المفروض عليهم، وتلبية احتياجاتهم الأساسية.

Sudanese Graphic Designers إحدى المبادرات ذاتية التنظيم التي تقدم الدعم والمساعدة لمجتمع المصممين الغرافيكيين، أطلقت في العام 2012 على موقع فيسبوك، وسرعان ما أصبحت قاعدة بينات ومنجماً مفتوحاً لمشاركة التجارب والمواد المعرفية، وﺸﻬﺪ وﻻدة ﺸـﻜـﻞ تنظيمي جديد في الفضاء الاعتباري الذي هيأ مساحات لتفتح الوعي على إمكانية التنظيم وفاعليته.

القبضة.. التلويح.. والأداة

مثلت قدرة ثورة ديسمبر على التثوير الهائل للفنون محفزاً وباعثاً على التسابق في الانشغال والتفاعل مع القضايا العامة، من خلال التعرض للمعارف  المُلهِمة لإنتاج أشكال فنية جديدة، والخروج على معيار الإجادة والاحترافية إلى قيمة العمل نفسه ومدى قدرته على المعالجة الفنية وطرح التساؤلات ونقل الحوارات داخل نسق العمل الفني.

ومثلت ساحة اعتصام القيادة العامة للجيش حاضنة مثالية لمن يمكن تسميتهم بالأقليات المُبدعة، وأداة أكثر فاعلية في تخليق الإعلام الجماهيري للثورة. وشكل مجتمع الكتاب والمصممين والمصورين السودانيين الحلقة الوسيطة في تحويل الإرث الفني والثقافي إلى خطاب ثوري مكتمل التكوين البصري، ففي قطاع التصميم الغرافيكي عالجت أعمال المصممين خلال الفترة الأولى من الثورة موضوعات التحشيد وخلق خطاب الثورة وإعلامها. وعلى نسق الملصقات في العهد السوفيتي والجمهوريات الاشتراكية تصدرت رمزية قبضة اليد المحطمة للقيود غالب الأعمال الأولى للمصممين الغرافيكيين مع الوجوه المعبرة عن الهتاف، وقد مازجوا بين الرمز والكلمة، نظرًا إلى الحضور القوي للمدارس الشعرية السودانية في تكوين المشهد البصري.

انتقل بعدها المصممون إلى قوالب إعلانية للمواكب والفعاليات الثورية، وكانت هذه المرحلة مشاعة لمساهمة المصممين في إبداع أعمال وبوسترات تعزز الخطاب الثوري الجماهيري وتعالج مواضيع جداول الفعاليات الثورية التي كانت تنشر في صفحة تجمع المهنيين السودانيين. أعقبت مرحلة التكثيف والمعالجة البصرية للخطاب الثوري مرحلة أخرى عالجت فيها التصاميمُ الموضوعات والفعاليات التي ابتدرها السودانيون في فترة اعتصام القيادة العامة في أعقاب سقوط نظام البشير، ثم انخرط المصممون في حملة "حنبنيهو" التي شكلت الأبجدية الفنية والرمزية لثورة ديسمبر وعززت حضور الفنون بوصفها محفزاً للعمل الثوري في الشارع السوداني من خلال أعمال الغرافيتي والأغاني والتصاميم الغرافيكية، وغلبت على هذه المرحلة الرموز الجماعية والتلويح وإشارات التبشير بالآتي.

وفي مرحلة أخرى أعقبت تكوين حكومة الفترة الانتقالية عالجت الأعمال الفنية الرغبة الجماعية في تكوين الاجسام الثورية والبناء القاعدي للحواضن الثورية، كما انخرط المصممون في حملات مثل "القومة للسودان" وما أعقبها من تطوع في إعادة تشكيل الهوية البصرية للمؤسسات العامة في السودان وشعاراتها، وحفلت هذه الفترة بالكثير من التسابق بين الفنانين والمصممين الغرافيكيين، وخلقت الثورة وقواميسها وأبجديتها تأثيراً كبيراً في الموضوعات التي يعالجها المصممون المحترفون في شركات القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية على حد سواء.

وبمثل الفترة الأولى لتكون مجتمع المصممين الغرافيكيين فإن الثورة أسهمت في ولوج كثير من الناشطين إلى الحقل الفني والإبداعي، لا سيما التصوير والتصميم الغرافيكي، لكونهما من لوازم الإعلام الجماهيري للأجسام القاعدية، مثل لجان المقاومة ولجان الأحياء، بفضل معايشة الاعتصام والتغذية البصرية والإنصات إلى منتوج الثورة السودانية.

* نُشر هذا التصميم المرفق في البوستر واستُخدم بإذن مسبق من المصمم عمر مصطفى.

ثورة الـ (PEN TOOL) - مقالات | سِكَّة