علاقاتٌ جديدةٌ بالمكان

انفصال/مباينة: علاقاتٌ جديدةٌ بالمكان
استعادة المدينة: اعتصام القيادة العامة
سكّة: مأمون الجاك
نص خارجي
"في الخرطوم، كوَّن ثوار ديسمبر-أبريل علاقات جديدة مع المكان، بدءاً من مواكبهم المركزية في وسط العاصمة، وحتى انتشار المواكب وتمدُّد المتاريس في الأحياء، واكتَمَلَت العلاقة بالمكان في اعتصام القيادة العامة؛ حيث تحوَّلت الشوارع المحيطة بالقيادة إلى ساحة للإقامة المستمرة تحرسها نحو 450 من المتاريس المشيَّدة بواسطة الثوار. يقول عمار جمال عن علاقة الثوار بالمكان في مواكب الأحياء إن الثورة "اتّخذت من المكان عنصرها الأصيل"، ابتهاجاً به، وإعادة تشكيله، تحديده وترسيمه، قَفلِهِ جزئيَّاً أو كلّياً وفقاً لضرورة الحراك"، ويرى أن الثوار أعادوا رسم مدينتهم.
وبالنسبة لجمال، لم يعد معمار الخرطوم يشبه سابقه. إذ أصبحت مدينة جديدة الهيئة، فقد انتصبت المتاريس الشاهقة، تلوَّنت الجداريات بالغرافيتي الثوري، وأُغلِقَت الكباري التي تعبر النيل بين أحياء العاصمة، والطرق التي تربط العاصمة بالولايات، والولايات بالولايات. هذه المدينة التي أعيد تخريطها بعناية لا يعلم مساراتها إلا الثوار"[1].
أما بهاء الدين محمد فيصف الطور الأول للثورة، أي طور المواكب المركزية بأنه كان شبيهاً بـ"التجوال البدوي"، فيقول: "ابتدأ ديسمبر رحالاً بدوياً جائلاً في الأرض، غير مستقرٍّ على حال، في علاقةٍ قلقةٍ بالمكان، يتمرن على الرقص الفردي بإيقاعٍ موسيقيّ جماعيّ وقادم من كل الجهات والنواحي"[2].
يمضي بهاء الدين محمد في وصف لحظات الموكب وتحولات المكان أثناءه، قائلاً: "لقد كان ديسمبر لعبة الحياة المنشودة منذ الطفولة. فبتجوالها البدويّ رَسَمت ثورة ديسمبر علاقات جديدة ومتنوعة بالمكان، انطلاقاً من الأحياء السكنية إلى مراكز السلطة برمزيتها الاقتصادية والسياسية"، تظاهرات السوق العربي المتجهة إلى القصر الجمهوري. "ظلَّت هذه المواكب تُمرِّن المكان على نوعٍ جديدٍ من الحياة، حياة مُكَثَّفة لم تشهدها هذه المناطق بطبيعتها، التقليدية أو الاقتصادية. كان سيل المواكب يتحرك بهذه الأجساد اللامرئية في فضاء السلطة، لفتح وتحرير المكان من سلطة الطاغية وكل سلطة. فاللحظة التي يهتف فيها الثوري وتنطلق زغرودة الثائرات معلنةً عن بداية الموكب، هي نقطة انطلاقة جديدة في علاقتنا بالمكان. يتحوَّل المكان إلى شكلٍ غير معهود. تتحول المباني من مكاتب وأسواق تجارية إلى ملاجئ تحمي المتظاهرين من الاعتقال أو القتل، ومن ممرات طرق لمسارات هرب، يخرج الشباب والشابات من كل فجٍ وممر بركاناً بشريّاً في وجه السلطة، يتحرك الموكب قاصداً وجهته المحددة سلفاً مع بعض التغيُّرات في المسار حسب ما تشاء الضرورة الثورية والقبضة الأمنية المشددة"[3].
ويتّفق كلا الكاتبين في وصف التكتيكات المُستَخدَمة من قبل الثوار مثل المتاريس والخنادق، بكونها أقرب إلى تكتيكات حرب العصابات، فيقول عمار جمال إن السودانيين "أعادوا اكتشاف تكتيكات تقليدية مثل تكتيك (حرب العصابات) واشتباكات المُدن، ومناورات الاستنزاف، لكن تحت راية الثورة السلمية"[4]. فيما يقول بهاء الدين محمد إن مظاهرات الأحياء أشبه بحروب الأحياء؛ "لأن المتظاهرين مارسوا فيها تكتيكات الحروب من حفر لأنفاق وعمل التروس"[5].
متاريس الأحياء
خبر السودانيون المتاريس واستخدموها منذ تاريخهم القديم والحديث، ففي ثورة أكتوبر 1964م، سُمّيت إحدى لياليها بـ(ليلة المتاريس)، أما في ثورة ديسمبر- أبريل فقد كان حضور المتاريس طاغياً وأثرها لا يُمحَى كما تَصِفُها الكاتبة ريم عباس، قائلة بأنها: "عبارة عن حواجز مؤقتة يتم تشييدها في الشوارع لإيقاف حركة المرور قبل الاحتجاج وأثناءه، وأيضاً لإبطاء حركة سيارات الشرطة وقوات الأمن المدججة بالسلاح وغاز البنبان. وتقام التروس أيضاً في الأزقة والشوارع الجانبية لتقييد حركة شاحنات شرطة مكافحة الشغب، وبالتالي حماية المتظاهرين عندما يركضون في الشوارع الجانبية للاحتماء من البمبان والاعتقال. يُستَخدَم الترس أيضاً أثناء العصيان المدني لإغلاق المدينة وتقييد الحركة في الفضاء المدني. وقد تم إغلاق المدينة عدة مرات في أشهر الثورة اللاحقة، وخلال تلك الأيام، تم تحصين جميع الشوارع الرئيسية للحد من حركة الثورة المضادة"[6].
فالمتاريس كانت تمثل "ذروة العمل الجماعي؛ لأن المجتمع يُسَاهِم في بناء شيء من شأنه حماية أفراده من الاعتقالات والعنف المادي المتوقع. ويجنّبهم كذلك مداهمة منازلهم"[7].
متاريس الاعتصام
ما إن وصل الثوار إلى مباني القيادة العامة، وبعد أن استقرَّ رأيهم على الإقامة في المكان حتى سقوط النظام، حتى بدأوا في إنشاء متاريس مُكوَّنة من حجارة وجذوع أشجار وأسطوانات ضخمة، تقول ريم عباس: "وصلت المتاريس إلى الاعتصام في ساعات مبكرة. نَظَّم الناس وشكّلوا لجنة مكونة من مُمثلين من مختلف مجموعات الأحياء التي اعتادت تنظيم التظاهرات وحمايتها وتعبئتها هناك. بدأوا بناء المتاريس باستخدام أدوات وجدوها قريبة. استخدموا الطوب واللوحات الإعلانية"[8]. قبل ذلك، كانت المتاريس حاضرة في لحظات الثورة، عندما انتقل الحراك إلى الأحياء؛ فأثناء المظاهرات النهارية أو الليلية، ينشئ المتظاهرون هذه المتاريس حماية لهم من توغل القوات النظامية إلى داخل الأحياء، مما يُتِيح لهم امتلاك هامشٍ زمنيّ لحركتهم يُمَكّنهم من التراجع والاختباء ثم معاودة الخروج إلى الشوارع. وفي ساحة القيادة، في الأيام الأولى للاعتصام، كَمَنَ الموتُ على الحوافّ، وهناك وقف في ثباتٍ مُحيّر شبابٌ وشابات، ارتقت أرواح بعضهم/ن ورأى البعض الآخر الموت ونجى من براثنه، بعضهم لم يكن يفارق الترس ليتجول داخل ساحة الاعتصام إلا ليستريح قليلاً ريثما يعود لموضعه حارساً لمداخل الاعتصام، مُفتّشاً العابرين نحو الداخل بعد سقوط النظام وتوافد الزوار بكثرة، خاصةً في الفترات الليلية، فقد "تَحَوَّلت المتاريس لنقاط تفتيش لمنع تسرب أسلحة حادة أو أغذية مسمومة، ولمنع السرقات"[9]. وفي تلك الأطراف لم يكن الانتظار قلِقاً، بل واثقاً ومتحدياً، وبرغم أن الفض كان احتمالاً ماثلاً ترجّحه محاولات سابقة ودعاية مضادَّة لتشويه صورة المعتصمين، وتذمّر غير خفيّ من قبل قادة الجيش والدعم السريع، إلا أنه احتمال بدا بعيداً.
في الرابع والعشرين من مايو أجرت صحيفة (الجريدة)[10] استطلاعاً لآراء حرسة التروس، يقول عضو لجان المتاريس والتفتيش عبد الرحيم حليم: "إن فكرة المتاريس جاءت تحسباً لكتائب الظل وأفراد جهاز الأمن؛ لأنها تُسهِم في تعطيلهم حال وصلوا إلى ساحة الاعتصام، وفي حال إطلاقهم للرصاص فلن تخترق المتاريس"، وعن إنشائها يضيف قائلاً: "إنها بدأت في السادس من أبريل حينما كانت حدود الاعتصام تنتهي إلى بنك أم درمان الوطني (جنوب، غرب القيادة العامة)، وأنهم في البداية كانوا عاجزين عن بنائها؛ لأن قوات الأمن كانت تتربَّص بهم في المداخل، وعند رؤيتهم لثائر يحمل حجارة لرصفها فإنهم يقومون بضربه واعتقاله، وبعد تنحي وزير الدفاع عوض بن عوف عن منصبه، اتسعت رقعة المتاريس، وتضاعفت مرة أخرى بعد مجزرة الثامن من رمضان، حيث أُنشأت في شارع النيل، عند الناحية التي بدأ الهجوم على الاعتصام عبرها".
وحول وجود عوامل أخرى تُسهِم في اتساع رقعة المتاريس مرة أخرى، قال: "إن تغريدات في تويتر أو منشورات في فيسبوك تسهم أحياناً في ذلك". مضيفاً أن: "عدد المرابطين على التروس يتفاوت تبعاً لموقعها، وأنه يكفي شخص واحد لحمايتها رغم احتمال تعرّضه لخطر ماثل حال حدوث هجوم على الاعتصام، لكنه قادر على تنبيه بقية الثوار وإبلاغهم ليأخذوا حذرهم".
أما عمر عبد الرحمن عبد الله، وهو من ثوار العباسية، فقال "إن مهاجمة المعتصمين في فجر السابع من أبريل أسهمت كذلك في تعزيز التروس وانتشارها، وأن كل ترس تحرسه مجموعة تنتمي لحي من أحياء العاصمة"، وقُسّمت التروس إلى (داخلية)، وهي بلا فائدة كبيرة لإعاقتها لحركة المعتصمين والزوار، وأخرى (خارجية)، وهي ذات الأهمية لكونها وسيلة حماية إزاء أي هجوم محتمل. وأضاف أن "المعتصمين انصاعوا لتوجيه تجمع المهنيين السودانيين بحدود الاعتصام ومواقع توزيع المتاريس"، وأرجع ذلك الانصياع لـ"كون التجمع يمتلك إمكانيات لوجستية مكَّنته من تصوير الاعتصام وحدوده، ومن ثم تحديد عدد التروس اللازمة لحمايته، والتي عددها بأنها لا تقل عن ٥٠ ترساً".
وحول مطالبة المجلس العسكري بإزالة المتاريس بغية التوصل لاتفاق مع قوى الحرية والتغيير، قال عضو لجنة المتاريس أكرم عبد القادر بأنها: "باقية حتى يتم تسليم السلطة لحكومة مدنية". وأشار لتعرضهم لهجوم هدف إلى إزالة الحواجز الموضوعة في شارعي الجامعة والجمهورية، إلا أنهم تصدوا للقوات وتمكنوا من دحرها.
وأوضح عبد الله آدم يعقوب أنهم ضبطوا كمية من الأسلحة البيضاء والطبنجات كانت في طريقها إلى داخل الاعتصام، وأنهم، كحراس للتروس، قاموا بتسليمها إلى اللجنة الأمنية الخاصة بالثورة، وقَدَّر عدد التروس حول الاعتصام بما يقارب ٤٠٠ ترساً.
فيما اعتبر عضو لجنة المتاريس، إسماعيل حمدان، أن المتاريس، إضافة لقيمتها في حماية المعتصمين، تمثل وسيلة ضغط على المجلس العسكري، وتزداد بازدياد تعنته وتلكؤه في تسليم السلطة للمدنيين.
مدينة الاعتصام
يصف بهاء الدين محمد لحظات وصول مئات الآلاف من المتظاهرين إلى مباني قيادة الجيش في الخرطوم قائلاً: "بعد أربعة أشهر متواصلة من التظاهر والتجريب لخلق نوعٍ من المشاركة الواسعة، أخيراً وَصَلت هذه الجموع إلى هدفها المرسوم سلفاً (مباني قيادات الجيش). كان هذا اللقاء مع المكان، أول فعلٍ تحقّقي لمجال القوّة التي رَسَمَتها التظاهرات طيلة أشهرها السابقة. كان لقاءً سعيداً ومليئاً بالتذوّت الشخصيّ والجماعويّ. كان هذا الوجود المُشتَرك وتحقّق الرغبة في الوصول، حدثاً ضخماً. لم يكن هناك من مجالٍ للتفكّر فيه، غير مُعَايَشَته ومُحَايَثَته. هذه التجميعات بدأت منذ وصولها باحتلال المكان ورسم حدوده بنفسها ووضع المتاريس وتوزيع العمل بين مجموعات؛ فانتقلت الثورة من نموذج البداوة المُتَرَحِّل، الذي كانت تتّصف به التظاهرات، إلى شكلِ استقرارٍ شبه دائم. وكان هذا المكان بيتاً مناسباً لاستضافة اللقاء بين هذه الذوات وشُحنة الطاقة التي اكتَسَبتها من التظاهرات في الأشهر الماضية، والفعل والوجود المشترك الذي تمَّ"[11].
وعن مرجعية القرار بالاعتصام، وما إذا كانت قد جاءت من الجماهير تحقيقاً لإرادتها أو بتوجيهٍ من القوى السياسية المعارضة، يتحدَّث بهاء الدين محمد قائلاً: "كان خيار الاعتصام، بوصفه شكل المقاومة الأخير، إشكالياً وجدلياً من حيث تبنّيه بين أن يكون هذا الخيار اتَّخذته الجموع كشكل مقاومة، وارتضته لنفسها، وبين أن يكون هذا الخيار قرار قيادة الثورة. هذا الديالكتيك بين شكلين من المقاومة: الأولى متدفّقة وقويّة وغير مركزية (لجان الأحياء) والثانية سكونية وهرمية (التحالف السياسي للأحزاب) هو ما صَنَعَ من ميدان الاعتصام المكان الذي تحقَّقت فيه رغبات جميع الأطراف"[12]. ويصف حدث الاعتصام بأنه كان حتميَّاً، أيَّاً كان مصدره، ارتجالاً من المعتصمين أو تخطيطاً من السياسيين، فيقول: "يمكن لأحدهم القول إن الاعتصام هو فكرة قيادة الثورة وتم التخطيط له مسبقاً، لرسم أفقٍ نهائيّ لهذه التظاهرات؛ ولكن باعتقادي أن هذا القرار كان هو الفعل السياسي الممكن والوحيد، ولكنه، بنفس القدر، كان لا بد منه كأفقٍ أنطولوجيّ ضروريّ لإعادة ترسيم حدود أنفسنا وشكل الانتماء المُقبِل، إذ لا بد لهذه الوجوه المختلفة أن يتم اللقاء بينها"[13].
أما ريم عباس فتَصِف عناصر المكان المتوزعة في مساحاته الشاسعة فتقول: "تم إعداد الخيام للنوم، وعيادة مؤقتة، ومطبخ مُفتَعَل تم تجهيزه لإعداد طعام الثوار والإشراف على صحتهم، وتم إحضار عدة منابر للسياسيين للتحدث، وللمغنين والموسيقيين. تحول الاعتصام إلى مدينة متكاملة تحتفي بالثقافة عبر مكتبات مجانية، وبالتعليم عبر فصول دراسية لأطفال الشوارع الذين لم يستطيعوا الوصول إلى نظام المدارس العامة. وأصبحت الجدران والأرصفة القريبة لوحات للفنانين للتعبير عن أنفسهم وترجمة الثورة إلى جداريات. امتلك الناس المساحة أثناء استعادتهم للسلطة التي سُلِبَت منهم قبل عقود"[14].
بعد التجوال البدوي للمواكب تحوَّلت ديسمبر إلى: "فلاح يحرث أرضاً، ويُقيم علاقات جديدة بالمكان، بصحبة آخرين غرباء. لم يكن الاعتصام مجرد استقرار زراعي، بل كان الأرض الموعودة لبدويٍّ يبحث منذ الأزل عن ذاته الضائعة بين صحراء السياسة ويباس التاريخ والنخب. ويحرسها إلى حين مجيء حصاد المستقبل والآتي. كان الاعتصام بمثابة "مزرعة للفلاحين" التي بدلاً من بذل ثمارها للحياة، قُطفت منها الرؤوس والأرواح. قد يبدو الاعتصام شكلاً للفعل والوجود المشترك مُمَركَزاً في المكان وغير انتشاريّ، لكنه شكَّل له سرعةً وبطءاً مختلفان عن أشكال وصيغ الوجود المشترك والفعل من مواكب وتظاهرات ووقفات احتجاجية"[15].
ويرى بهاء الدين محمد أن الاعتصام لم يكن خَصمَاً على انتشار حركية الفعل الثوري، فيقول: "وضدَّاً لكلّ من يقول إن الاعتصام قد مَركَز الفعل الثوري، وأجهض المقاومة اللا مُمَركَزة، والمشتَّتة على أبعاد المكان، وأن الانتقال من الشكل اللا مركزي للتظاهرات إلى الشكل شبه المستقر للاعتصام قد أضعف الحراك، وحصره في حدودٍ معلومة. أقول إن شكل البداوة التي كانت تتصف بها المواكب كان استراتيجية حربية لمحاصرة أجهزة الدولة القمعية وإنهاكها، أما غاية الاعتصام فقد كانت بناء علاقات جديدة في شرط حرية تجريبية، لطالما أراد المتظاهرون الإقامة بالمكان وبناء علاقات مستقرة عبر الوجود المشترك، ولكن بالطريقة التي يريدونها بلا أية أوامر من جهة تفرض طرقها وسبل الحياة التي ترى أنها الصواب المطلق، وقانونها المقدس؛ إن سقف المطالب التي وُضعت بشعارات الاعتصام من (ما راجع أنا لي مطالب) إلى (سقطت ما سقطت صابنها) كانت مثالاً واضحاً على واقعية المطالب وعلى استحالتها السياسية في آنٍ واحد، نسبة للعوامل المحلية والدولية، وتحالف القوى السياسية التي قادت الثورة واستراتيجيتها اللا ثورية، ومثالاً أيضاً على شكل العلاقة التي تشكَّلت بين المكان والمعتصمين، تلك العلاقة الحميمة التي أراد لها الثوار أن تصير أبدية"[16].
فهذا البطء النسبي للاعتصام هو الذي "جعل من الممكن صناعة علاقات جديدة في شرط اطمئنان نسبيّ وحرية تجريبية، يتم صنعها عبر التفردات والتذوتات والصيرورات. إن بطء الاعتصام، على مستوى التذوُّت، كان أسرع لحظة في الثورة، أسرع من كل لحظاتها الومضية الأخرى، إذ لم يكن أفق الاعتصام سياسيًا فقط، بل كان مجتمعاً تجريبيَّاً جديداً، بين ذوات حرة وجذرية في اختلافها عن بعضها"[17].
فيما يرى محمد خلف الله أن لاعتصام القيادة العامة في الخرطوم بلاغة وأهمية تاريخية "لا يمكن تمثلها بجهود فردية مشتتة، بل يجدر منذ الآن، جنباً إلى جنب مع كافة أشكال النضال الرامية إلى استعادة الحكم المدني، أن يشرع المهتمون في التفكير-علاوة على الرصد، والتسجيل، والتدوين، وجمع المواد، والمخلفات الأثرية- في إعادة إنتاج فضاء الاعتصام- فيزيائياً، ورقمياً، وطبوغرافياً- في شكل متحف يُخَلّد آثار الثورة السودانية، مثلما يعمل في نفس الوقت على تحفيز الآخرين على نقض حركة الجزر الثوري المنتشرة في العالم قاطبة".[18]
خريطة الاعتصام
يرى بهاء الدين محمد بأنه لا يمكن "فهم الخارطة الجغرافية للاعتصام بعيداً عن خارطة الدولة السودانية، وتحديداً مدينة الخرطوم منذ ميلادها وإلى الآن. يبدو أن خارطة المدينة بعنفها الطبقي والإثني الفظيع قد ظَلَّلَت خيال الثورة أيضاً وبَعَثَت نفسها من جديد، فوجود أبناء العشوائيات والعشش بنموذج حياتهم ما قبل الثورة لم يتغيَّر؛ كولومبيا في الثورة بالخارج من الاعتصام هو امتداد لوجودهم خارج المدينة وأفقها، مع وجود أبناء المدينة من الطبقة الوسطى والبرجوازية بالداخل"[19].
فقد كانت كولومبيا أيضاً "المصدر الأساسي لتخريط جغرافيا الاعتصام في شكل تجميعات، فقد تواجدت الذوات المعولمة "أبناء وبنات الطبقة الوسطى التي أُفقرت وفُكّكت" في العمادة وشارع الكلينك بالقرب منها، كمُستهلكٍ أساسي لمنتجات كولومبيا، بينما ظلَّت المناطق المُتَاخِمة لبري بالاتجاه الشرقي وشارع البلدية بالاتجاه الجنوبي الغربي تجمع بقية النسقيين والمحافظين المشاركين في الثورة"[20].
[1] عمار جمال، (خرائطيو "حرب العصابات" السلميون يعيدون رسم مدينتهم)، بدايات 2019
[2] بهاء الدين محمد، (أنطولوجيا ديسمبر الجليل)، مجلة (الحداثة السودانية) سبتمبر 2020
[3] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[4] عمار جمال، مرجع سابق
[5] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[6] ريم عباس، (ذاكرة خرطومية للمتاريس التي شيدت الثورة)، مجلة الحداثة، مرجع سابق
[7] ريم عباس، مرجع سابق
[8] ريم عباس، مرجع سابق
[9] صحيفة الجريدة، عدد 17 أبريل 2019
[10] صحيفة الجريدة، عدد 24 مايو 2019
[11] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[12] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[13] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[14] ريم عباس، مرجع سابق
[15] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[16] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[17] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[18] محمد خلف الله، (قمر صغير الحجم على ذرى جبل)، مجلة الحداثة، مرجع سابق
[19] بهاء الدين محمد، مرجع سابق
[20] بهاء الدين محمد، مرجع سابق