مبادرة جداريّات الشهداء: ببلوغرافيا ديسمبر وشهدائها

مبادرة جداريّات الشهداء: ببلوغرافيا ديسمبر وشهدائها

سِكَّة: الصادق يس

"جداريات الشهداء" هو الاسم الذي تَوَافَقت عليه مجموعة من فناني الغرافيتي الشبان لمبادرتهم ومساهمتهم في استعادة الواجهات العامة والمدينة وفضاءها، بنشاطهم الذي يحمل في جوهره تثويراً وتخليداً لسِيَر شهداء ديسمبر، بما يشبه اللوحات الأيقونيّة لوشائج قربى الحراك الثوري الممتدّ مع الأحياء والمدن السودانية. وقد اجتهد هؤلاء الفنانين الشبان في تقديم الثورة في تبدّياتها المتعدّدة، بالانفتاح بالفن على الفضاء الجماهيري والمساحات المفتوحة، والانعتاق من إسار التكبيل وقيود الممارسات الفنية.

كانت نشأة المبادرات الفنية، والحركة الثقافية التي انتظمت الأوساط الشبابية، تمثُّلاً حقيقياً لمساحات التعبير التي عزَّزتها ثورة ديسمبر عبر الفعاليات الثورية التي انتظمت الأحياء، من مواكب واعتصامات، خلال الأيام الأولى للحراك، وصولاً إلى ساحة الاعتصام التي ضاعفت هذه الجرعات والتغذية البصرية من خلال الأعمال الفنية التي جسدت معاني الثورة وأهدافها ومشاهدها، وخلّدت سلاسل الشهداء والمعتقلين الذين دافعوا عن خيارات الثورة بتمسّكهم بالأدوات السلمية؛ كما تصدى الفنانون والهواة -على حدٍّ سواء- لمسؤولية استرداد واجهات البنايات الحكومية والحوائط العامّة، لتغدو سؤالاً وإخباراً يومياً يُناقش قضايا التغيير.

لقد أسهمت هذه الحركات الفنية في تجاوز الثورة لتحدي التعتيم والبطش بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة واعتصامات المدن والولايات السودانية الأخرى، فنجحت في تحمل مسؤولية التثوير والتنظيم والإعلام الجماهيري. وبصورة ما، فقد كانت هذه الأعمال الفنية هي سجل مقاومة بالأدوات السلمية لحملات تجريف الفعل الجمالي وتخريب اللوحات الفنية التي أنجَزها الفنانون والمعتصمون والديسمبريون على حدٍّ سواء، في السوح والبنايات والواجهات، بما وضَّح قدرة الصمود والانتصار لقيم الثورة ونسقها المستمر، حتى التحضير لموكب الثلاثين من يونيو المهيب الذي جسَّد قدرة الديسمبريين وإصرارهم على تحقيق قيم الثورة وتحقيق أحلامهم بسودان الحرية والسلام والعدالة.

 

المكان والمجتمع في الفعاليات الفنية


فضلاً عن كونها أعمالاً فنيَّةً تؤسِّس للارتباط الوجداني للقرى والمدن والأحياء السودانية بالفعاليات المتراكمة من الاحتجاجات والحركات المطلبية، وصولاً إلى ديسمبر وسوح اعتصامها الخالد؛ فإن هذه الأعمال كانت "مُشهاداً وعرضحالاً" لنضالات السودانيين، قديمِها وحديثها؛ وقد عالجت هذه الأعمال أدبيات الثورة ومشاهدها المُلهِمة، والشخصيات الوطنية. وبعبارةٍ أخرى، يمكننا القول إن الجداريات كانت تؤسس لترجمة ارتباط الثورة بالوجدان الجمعيّ وترجمتها لرجاءات السودانيين.

 

لقد أتاح فضاء الاعتصام وما تلته من فعاليات المقاومة، قبل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م وبعده، مساحات واسعة للتجريب والانغماس الشعبي في الممارسة الفنية، من خلال الحركة الفنية التي بعثتها جنبات الاعتصام، والمساهمات الفنية في صنع الهوية البصرية ومزيج الألوان. وكانت جنبات الميدان ورشةً بسماءٍ مفتوحة للتعرّض للمدارس الفنية، بل وافتراع ممارسة فنية تَشَارُكِيَّة تضم المحترفين والهواة مع الجمهور. وفي ذات الحين، فقد ألهمت حركة الحشود والألوان التي ضجَّت بها الميادين والشوارع والساحات العامة شريحةً كبيرةً من الثوار بالانخراط في المشهد الجمالي لهذه اللوحة ذات الإطار السماوي المفتوح.

المُقَاوَمة والتعمير: أمانة الفنون في ديسمبر

لم يقتصر نطاق نشاط المبادرة والمجموعات الفنية المُمَاثِلَة على تنفيذ لوحات تأبين للشهداء في أحيائهم فحسب، بل نَجًحَت أيضاً في تعميق الإحساس بالوحدة من خلال تنفيذ أعمال جدارية عَبَرت بسِيَر الشهداء وملامحهم لتجاوز حدود الحي إلى جغرافيا السودان الكبير. وقد أتاحت الفعاليات الثورية التي دَرَجت على تنظيمها لجان المقاومة والأجسام النقابية الموازية والتجمعات المهنية، وسيطاً مثاليَّاً لتأسيس معاني العدالة الانتقالية في إنصاف الضحايا والحقّ في معرفة الحقيقة، فضلاً عن العبارات المطلَبِيَّة بترسيخ العدالة ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، بالإضافة إلى حملات التوعية بالسلوك العام أو المناصرة أو التوعية الصحية إبان جائحة كورونا.

 

وفي ما وراء التأثير الوجداني، فقد تحمَّلت المبادرات الفنية المتجوّلة -التي اتخذت نهج تحويل الفنون إلى مواكب زائرة وساحات تفاعلية- أن تكون وثيقةً مهمةً، لا بالنسبة إلى الفعاليات الفنية فحسب، وإنما للببلوغرافيا ونسق الثورة، بوصولها النافذ إلى المدن والقرى والأرياف السودانية، فضلاً عن تحقيقها غايات تجديد موقف الفنون من حركة التاريخ وإجابتها عن سؤال: كيف يمكن أن تُشَكِّل الفنون ذاكرةً لحركة التاريخ وانعكاساً للمشكلات السياسية والاجتماعية. استحالت اللوحات الجدارية لمبادرة جداريات الشهداء إلى أكثر من مجرد شاهد يروي سِيَر الشهداء، بتخطّي المحدودية الجغرافية والتاريخية، لتغدو سِيَر الشهداء وملامحهم سعياً محموماً ومتجذّراً في الوجدان الجمعي السوداني، بترسيخِ القيم التي ناضل من أجلها الشهداء. وفوق هذا وذاك، فقد أتاحت مبادرة جداريات الشهداء فعاليات مُمَاثِلَة لتلك التي انتظمت فيها جماعات مقاومة الفصل والتمييز العنصري في الستينيات من القرن الماضي، وهي القائمة على وصول المضمون إلى المجتمعات المحلية بصورة خلقت تفاعلاً مدهشاً أزال غشاوة عقود عديدة من تهميش الفنون أو تجييرها وحجب مساحات تفاعلها المباشر مع الشأن العام وترجمة موضوعات انشغال الفنون، مثل موضوع العلاقة بين الفنون والمجتمع والوعي العام والمؤسسات الرسمية وغيرها.

مبادرة جداريّات الشهداء: ببلوغرافيا ديسمبر وشهدائها - مقالات | سِكَّة