الغرافيتي – انفتاح الفن خارج صالات العرض

سكة - الصادق يس
تفرد فن الرسم على الجدران – الغرافيتي – بقدرته على اختزال الكثير من الكلمات والسرديات بعبارة واحدة، أو بوجه واحد أو علامة لها دلالات معينة في وجدان المارة المتمعنين في واجهات مدينتهم والمهتمين بفضاء التفاعل على الجدران. وبما أن جوهر الفن هو التعبير، فقد أثار فنانو الغرافيتي الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك للمواطن من خلال الرسم والتلوين على جدران الواجهات والمباني العامة إبان ثورة ديسمبر المجيدة، وبات هذا النوع شكلاً مألوفاً ومميزاً للواجهات والمباني العامة.
خلال سنوات ما قبل الثورة تعرضت جدران المدينة لزيارات متعجلة ومرتبكة مثلت مقدار المساحة التي يتلصص فيها الناشطون السياسيون في دقائق معدودة للكتابة على الجدران لإيصال رسالة ما أو شعار سياسي أو حملة اجتماعية. قبلها كانت الحوائط والواجهات العامة مكاناً محبباً للعشاق. وبقدرة عجيبة في مُدن وحواضر كابتة، كانت جدران المدارس الثانوية الأكثر احتمالاً لطاقات الحُب البريئة التي ينثرها اليافعون في بدايات تعبيرهم عن عواطفهم، برسائل حب بدائية أو أشعار منسوخة عن الحب، وكان الأكثر جرأة حينها كتابة اسم المحبوبة. وجدت هذه الكتابات مكانها للتحايل على سلطة العادات والتقاليد المانعة للقيا المحبين. وبالحق كانت الفنون وفضاء التعبير تتلصص لجيل قادم، جيل أحب أن يتسكع حولها ليعبر بخجل وترقب على حوائطها.
ظلت الفنون في عزلة إجبارية بعيداً عن الأجيال الشابة في سودان ما قبل ثورة ديسمبر المجيدة. وكان فن الغرافيتي الأخطر على ممارسيه الذين كانوا عرضة للمساءلة والاعتقال على قلتهم. خلقت هذه الأوضاع حالةً من التماثل الممل للواجهات العامة يحرض على التعجل في عبور الشوارع والأزقة، حتى انفتح الجيل الشاب على عالم جديد بذلته وسائل التواصل الاجتماعي وبدأت تتداعى معه العزلة المفروضة على فضاء الفن والرسم والتلوين بمساحات عرض وتفاعل لعوالم الفنون والفنانين، وبدأت معه الفنون الجميلة تتحسس موضع أصيلاً في حوارات الناس اليومية، بالأغاني والشعر والتلوين.
تكتسب أساليب التعبير بالرسم والكتابة على الجدران والواجهات العامة قوتها من أنها موجهة إلى العامة وتعنى قصداً بخلخلة الجمهور أو إثارة التساؤلات العامة بعبارات وصيغ ورموز تبرز بصورة أو أخرى الانفعالات الاجتماعية المتخففة والمتحررة من الضوابط والقيود والرقابة، وتعمل على إعادة طرح تساؤلات التغيير.
الجدران والحوائط مثلت الفضاء المتاح للتعبير السياسي، واستندت على تأسيس شعاراتي وأدبي لمكانتها في سردية محمد الحسن سالم حميد "الجابرية". مثلت الحوائط الوسيط الوحيد الذي لا يمكن إخراسه، ويمكن من خلاله بث الوعي وتسليط الضوء على القضايا في أزقة القرى والأحياء الداخلية.
بقّ في أرحامنا في شافع نافع
ترفعو أمه في حيطة الجامع
يكتب يسقط دجل السلطة
ويسقط بلة وشيخنا التابع
وكشفناك وكشفنا الخطة
تحيا كلابك يا الجابرية
يحيا ضراع الزيتُم طالع
محمد الحسن سالم حميد[1]
جدران المدينة .. فضاء لطلاب الحرية
مثلت الواجهات العامة وسيطاً مؤاتياً وبديلاً متاحاً عن الصحافة ومنبهاً دائماً لقيمة الحرية والديمقراطية التي يدعوا إليها طلاب التغيير والثورة؛ فخلال عقد ونصف سبق شرارة ثورة ديسمبر المجيدة، كانت الواجهات العامة في المدارس والجامعات وحتى المساجد مساحة للرسائل السياسية والمطالبات الحقوقية، كما مثلت سجلاً واسع النطاق لتدوين الانتهاكات الحقوقية وإثارة قضايا الفساد، كما كانت أكثر وسيط جمعي آمن لإعلان التضامن في للتنظيمات السياسية الشبابية. ويلاحظ في هذه الفترة شيوع أنساق معينة من التدوين في طلب الحرية على شاكلة "الحرية للمعتقلين" أو "الحرية لفلان الفلاني المعتقل بسجون النظام/جهاز الأمن". ومع ندرة هذه التدوينات وانكماش نطاقها الجغرافي في نطاق محدود في جدران الجامعات وبعض الأحياء التي مثلت حاضنة وملاذاً لتحركات الناشطين السياسيين، إلا أنها اتسمت بخطورة ألزمت بعمل سري وتوقيت وترتيب مسبق لشراء بخاخات الطلاء والمواد اللازمة لكتابة الشعار أو الإعلان تحوطاً من أيدي أجهزة النظام الباطشة.
تداخل التكنولوجيا والأشكال الأولى للرسم
في مبتدأ العقد الأخير، شكلت ثورة الإعلام الجديد مجالاً مفتوحاً للإفلات من الرقابة القبلية على الفنون، وأتاحت مساحات آمنة للعمل السياسي، بالانفتاح على الجماهير بأقل كلفة إنسانية، بعيداً عن القبضة الأمنية، وانفتح الجيل الشاب من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين السودانيين على تجارب محيطة انتظمت فيها الفنون في مشاريع التغيير ومكنت الجماهير من الانعتاق من القيود القبلية والرقابة الباطشة على أشكال التعبير. مثلت المشاهدات والخبرات التي تعرض لها الفاعلون السياسيون في السودان مساراً مفتوحاً لاستخدام التكنولوجيا في تناقل المنشورات السياسية باستخدام برامج الرسم والتعديل على الصور وتفريغ الرسوم على الحوائط باستخدام وسائل جديدة أسرع وأخف وأسهل استخداماً. وخلق هذا الفضاء وافدين جدد إلى الفنون التعبيرية، خاصةً الغرافيتي، نمت بينهم وجدران مباني مدينتهم ومنازلها وواجهاتها ألفة قديمة، فيما يمكن أن نسميهم الوافدون إلى الفنون من بوابة النضال السياسي والحقوقي، أو القادمون من فضاء التجريب مثل المصممين الغرافيكيين والرسامين الذين نقلت أعمالهم في تجارب تفاعل جديدة بوسائط مختلفة.
حضور الرمز واللون
انهمكت التيارات والمجموعات الفنية المشتغلة بالقضايا العامة في تعزيز حضور اللون والرمزية ككلمات غير محكية تعنى بقياس الرأي أو خلق ألفة ومجتمع محتضن أو متعاطف مع قضاياهم، وظهرت الملصقات المفرغة بعلامات النصر أو القبضة التي تعني الوحدة والأشكال المفرغة بواسطة الملصقات "استيسل" لوجوه المعتقلين أو ترميز لطلب العدالة بمشانق على رأس الديكتاتور ورمزيات الأيدي المكبلة للإشارة إلى حالات المعتقلين. كما تبنت حملات اجتماعية وسياسية أخرى الترميز بالألوان مثل اللون البرتقالي الذي استخدم رمزاً للتغيير من قبل التنظيمات الشبابية حتى تفجر ثورة ديسمبر المجيدة وانفتاح الجمهور على القضايا العامة.
حياة أخرى للفنون
انتظم الفنانون المحترفون والهواة ضمن أنساق جديدة للفنون عبر مساحات التفاعل التي يتيحها فن الغرافيتي، إذ يخرج الفن ليتخلق في أعين المارة وينفي مجرد الوجود المتْحَفي أو تخفي الفنون في صالات العرض والمساحات المغلقة. وكان عليهم نقل أنساق من المدارس الفنية إلى جمهور غير متخصص تعترضه الواجهات وتراود ذائقته المتعجلة بصورة جعلت الفنون تتداخل مع الأسئلة الحياتية اليومية للمارة. وفي جولات متكررة استطاعت اللوحات الفنية على الجدران إيقاف عجالة طبقات متفاوتة من المواطنين المارين في شوارع المدينة. وعايش المئات منهم أعمال الفنانين على لوحاتهم ومراحل الرسم، ولامسوا وتعاملوا مع الفنانين المنهمكين بطرح تساؤلاتهم الفنية على شوارع المدينة. كانت اللوحات تمييزاً متفرداً للشوارع والأحياء بخصوصية اللوحة واتساقها مع أسئلة فضاءات جديدة فرضتها ثورة ديسمبر المجيدة، تنزلت فيها المشاريع الفنية للفنانين السودانيين إلى الشوارع والأزقة والواجهات العامة، كما تحولت المدينة إلى ورشة رسم في فضاء مفتوح للتجريب والتفاعل بين الهواة والفنانين المحترفين، ومعرض ومعايشة فنية من العامة لعوالم الفنون والرسم والتلوين. وأحالت اللوحات الفنية في الواجهات العامة مشاوير الغدو والرواح للمواطنين إلى مسارات معبأة بأسئلة وقضايا عامة يختبر تخلقها في حياتهم اليومية.
[1] قصيدة الجابرية محمد الحسن سالم حميد